صارت تشبه لعبة الغمّيضة، سياسة موسكو إزاء المنطقة عموماً والوضع السوري خصوصاً.
وزير الخارجية المزدوج الروسي السوري سيرغي لافروف حكى من القاهرة الشيء ونقيضه: لا يهمه "مصير" بشار الأسد إنما مصير الشعب السوري.. ولكن على المعارضة أن تحاوره تحت سقف أنّ التغيير يكون في وجوده وليس في غيابه، وإلاّ فالحرب مستمرة!
هذا على الأقل، ما فُهم من تلك الأحجية المعلنة، في حين أن ما بقي مضمراً وغير معلن يفيد أن موسكو لا تزال واقفة عند نقطة البداية. لم تتحرك متراً واحداً بعيداً عن مواقفها الداعمة لبقاء الأسد وسلطته.. تغيّر أسلوبها وطريقة إعلان الموقف، لكن المضمون لا يزال على حاله. أبلغه "الرفيق" لافروف إلى من زاره من مسؤولين وموفدين عرب وأجانب في موسكو. وعاد وكرره مع من التقاهم في القاهرة بالأمس، وفي غيرها قبل الأمس بقليل وكثير.
ومع هذا، فإن الأحجية تنمو باتجاه آخر، أبعد من شكل الكلام وغرائب الوزير الملطوع بفوبيا الأكثرية الإسلامية: ماذا تريد موسكو في النهاية؟ وكيف لها أن تبني سياستها في المنطقة العربية والإسلامية على قواعد سلطة الأسد التي تتهشم على مدار الساعة، ولا يمكن لها أن تحفظ حالها، قبل أن تكون قادرة على تقديم خدمات الحماية لمصالح دولة مثل روسيا؟
بل كيف يمكن تصوّر قراءة شاملة لمستقبل المنطقة ولوجود الروس فيها، طالما انهم يستبدلون البناء العام، بغرفة صغيرة. أثاثها محطّم، وسقفها يدلف، وبابها مخلّع، وشبابيكها تعصف بها الريح من كل جانب؟
حتى في لغة المصالح الناشفة والبلا أخلاق، يُطرح السؤال: كيف يمكن موسكو أن تتوقع أي مردود ايجابي لسياستها طالما انها استبدلت الأسد وسلطته بالعالمين العربي والإسلامي برمتهما؟
ومع ذلك، فإن تلك الأحجية ليست من النوع الذي لا يمكن فك طلاسمه بالهيّن، خصوصاً إذا جرى اعتماد لغة القياس والطباق.. وبذلك يسأل السائل: أليس واضحاً أن موسكو خرجت من قديمها قبل عشرين عاماً ولم تستطع بعد أن تطرح جديدها كما يجب؟ وأليس واضحاً انها نسيت مشية الدبّ الروسي من دون أن تتعلم أصول تحليق النسر الأميركي؟ وأليس واضحاً انها تستعير الخط العريض للسياسة الأميركية حيال المنطقة من دون أن تمتلك شيئاً حرزاناً من تاريخ وتأثير وقدرات تلك السياسة؟
أكبر غرائب السياسة الأميركية تكمن في انها تضع العلاقة مع مليار و300 مليون عربي ومسلم في كفّة موازية لكفّة العلاقة مع إسرائيل. في حين ان التنظيريين اللافروفيين الجدد يحاولون جاهدين استعارة ذلك المبدأ ولكن مع إضافة إسرائيل إلى سلطة الأسد؟!
تبدو المعادلة صعبة منطقياً. غير ان بعض التدقيق مفيد في الإجمال. وفي ذلك يمكن الإشارة إلى ان وزير خارجية إسرائيل افيغدور ليبرمان، والذي هو في الوقت نفسه أو قبله وبعده، أزنخ روسي حطّ في المنطقة حتى الآن، وصف قبل أيام علاقة إسرائيل بروسيا بأنها الأفضل على الإطلاق! ما يعني ان موسكو التي خرجت من الحرب الباردة منكسرة ومحطّمة، تفترض ان تغيير قواعد السلوك يعيد لها بعض الأمجاد التي ضاعت في تلك الحرب. أي بدلاً من التقليد السابق الذي تغنّى بدعم الأحرار، هناك اليوم التقليد اللافروفي الجديد الذي يتغنّى بدعم الطغاة من تل أبيب إلى دمشق!
غريبة مفارقات سياسة أباطرة روسيا الحديثة: يطوّرون العلاقة مع إسرائيل إلى أفضل مراتبها ويدعمون سلطة الأسد حتى النهاية، ثم يريدون حفظ مصالحهم ومستقبلهم في المنطقة! بل الأنكى من ذلك، انهم ينطلقون منها لبناء "توازن" تنافسي وصدامي مع الأميركيين والأوروبيين على المستوى العالمي الأشمل!
غابت نظرية الأخ الأكبر، وما بقي بعدها إلاّ مراهقة سياسية، نزقة ومتوترة.. تماماً مثل طريقة لافروف في الحكي والأداء!