زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الى لبنان لثلاث ساعات التقى خلالها نظيره اللبناني العماد ميشال سليمان فقط، احتلت عناوين الصحف المحلية والفرنسية، وبدت لافتة في توقيتها وشكلها ومضمونها.
بعض المراقبين وجدوا ان أهمية الزيارة تكمن في توقيتها الذي جاء إثر الزلازل الأمني الاخير الذي ضرب لبنان والمتمثل باغتيال اللواء وسام الحسن، لما يمثله الشهيد من رمزية وما كان يمثله من توازن سياسي – أمني، لبناني – عربي – اوروبي، في موازاة التوازنات الأُخرى، بمعنى ان توقيت الزيارة أعطى مؤشراً صارخاً لناحية الإصرار على إعادة هذا التوازن عبر رأس الهرم الاوروبي، أي الرئيس الفرنسي، وبدعم اميركي مطلق في الوقت المستقطع الفاصل عن الانتخابات الاميركية.
فيما لفت آخرون الى ان الشكل والمضمون لا يقلان اهمية عن التوقيت، خصوصاً ان محادثات هولاند كانت ثنائية "Tete a tete" مع سليمان ما اعطى انطباعاً بأن الفريق الدولي والاقليمي الذي يمثله الرئيس الفرنسي، وتحديداً على خط "واشنطن – باريس – الرياض" غير راض، أو بالأحرى، رافض للسياسة التي نهجها وينتهجها الرئيس نجيب ميقاتي وحكومته حتى الآن، فضلاً عن الكلام الذي اطلقه هولاند من قصر بعبدا لجهة تأكيده عدم افلات قتلة الرئيس رفيق الحريري والحسن من العقاب.
ماذا حمل كلام هولاند من معان في القصر الرئاسي؟
مما لا شك فيه ان اعلان الرئيس الفرنسي حول ضرورة معاقبة قتلة الحريري والحسن حمل في مطاويه معان عدة ابرزها الآتي:
1 – اعترافه أو إقتناعه الضمني بأن قتلة الحريري هم انفسهم قتلة الحسن. وفي ذلك اشارة واضحة في اتجاه حزب الله الذي سبق للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان ان وجهت الاتهام لاربعة عناصر امنيين منه باغتيال الحريري، والا ما معنى ربطه بين هذين الإغتيالين!!
2 – تحذير واضح للقتلة او لآلة القتل المتنقلة من أن باريس والمجتمع الدولي سيكونان لهم بالمرصاد مهما طال الزمن، في اشارة الى ضرورة وقف هذه الآلة، لأن الجهة أو الجهات التي وقفت وتقف وراءها لم تعد مجهولة الهوية وان العقاب آت في اتجاههم لا محالة.
3- مؤشر الى استنفار فرنسي – اوروبي (وأميركي لاحقاً بعد الانتهاء من الانتخابات الاميركية) وسعودي (زيارة هولاند الى السعودية مباشرة بعد انتهاء زيارته للبنان)، مقابل المحور الآخر (محور موسكو – ايران – سوريا) وحلفائه اللبنانيين، أي حزب الله وفريق 8 آذار.
الى ما تؤشر هذه النقاط؟
تؤشر في دلالاتها الى عقبات آتية، ليس على لبنان فحسب، بل على المنطقة بمجملها، فزيارة هولاند هي بمثابة "جرس انذار" دقته فرنسا انطلاقاً من لبنان واستكملته في جدة من خلال المحادثات التي اجراها الرئيس الفرنسي مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، ولاحقاً من خلال المأدبة التي اقامها الأخير على شرف ضيفه الرئاسي، وحضرها الرئيس سعد الحريري، ما يعني اعادة شد عصب محور "القوى السيادية" في لبنان المتمثلة بقوى 14 آذار ودعائمها الاقليمية والدولية في مواجهة قوى 8 آذار وحلفائها الاقليميين والدوليين، مع ما يشير هذا الامر الى صعوبة الايام الآتية وخطورتها على اللبنانيين وشعوب المنطقة!!