#adsense

عقم “التفسير الجيمس بوندي” للاغتيالات

حجم الخط

مسلسل الاغتيالات المتمادي منذ محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة الى عملية اغتيال اللواء وسام الحسن هو مسلسل ما زال ينظر اليه كثيرٌ من المحتسبين في بوتقة "الأنتلجنسيا اللبنانية" بكثير من المراهقة، وعدم الجدّية، والتذاكي.

وما تقوم به هذه العناصر المحتسبة في "الأنتلجنتسيا"، أيضاً بحجة صون استقلالية الأنتلجنسيا، هو بث النظرة النسبية المطلقة، العدمية، للعنف. فالكلّ عنيف، بحسب هذه النظرة، ومنهم بعنف كامن، ومنهم بعنف ظاهر، بعنف عاجز، أو بعنف قادر. بالتالي، فمن مارس عنفاً، ومن تأذى بعنف، سواسية، ولا حرج. وهكذا يصير الاغتيال السياسي، أمراً طبيعياً، عادياً، ما دام البلد محكوماً بالصراعات والتوازنات الطائفية، كما بالصراعات والتوازنات الإقليمية، وبـ"لعبة الأمم".

ولئن كان من حق الانتلجنسيا اللبنانية، بل من واجبها، نقد كل مظاهر الغلوّ والشعبوية، وكلّ ما من شأنه فرض حاكمية الشهداء على الأحياء، وكل تظلمية قربانية تتكامل بشكل أو بآخر مع العنف القرباني الذي تشكل الاغتيالات شكلاً مريعاً له. فإنه في المقابل، تصل هذه الانتلجنسيا الى منتهى الشطط والمجانية حين تتعالى على الواقع اللبناني بحجة أنها أكثر عقلانية منه، وأنه واقع ليس يعقله شيء، لأنه لا يعدو كونه طاولة "بينغ بونغ" تتداول عليها الأجهزة الاستخباراتية المحلية والإقليمية والدولية. جيمس بوند يأتي، وجيمس بوند يذهب، وجيمس بوند يقضي نحبه. والأفضل ضبط النفس، وترشيد الرثائيات، وإبقاء الواقع على ما هو عليه، الى أن يأتي يوم يرحل فيه من تلقائه، وإذاك الفرج.

هكذا تصير التجربة اللبنانية عموماً، والأزمة الأهلية المستعرة حالياً خصوصاً، وغير المفصولة عما يحصل في سوريا، مجرّد طاولة بينغ بونغ، يكون القاتل فيها كما القتيل، مجرّد تابعين لأجندات خارجية تتبناهما حيناً وتلفظهما حيناً آخر.

إن أسوأ قراءة يمكن أن تجري للصراعات اللبنانية هي تحديداً هذه القراءة "الجيمس بوندية" لها، من النوع المبتذل الذي يختصر كل عملية اغتيال بأنّها نتيجة "رفع غطاء" راعٍ دوليّ أو إقليميّ عن موالٍ له في الداخل اللبنانيّ أو "التغرير به" أو تقديمه "هدية" بالمجان، لصالح القاتل الممانعاتي الشره الذي يقتنص الفرصة بـ"دهاء". والدهاء بالمناسبة صفة يوصف بها كل مستبدّ طالما هو على رأس آلة البغي والجور والبطش، الى أن يطاح به، فيوصف حينها بالحماقة والطيش.

هذا التفسير "الجيمس بوندي" لما نُكِبَ به البلد من اغتيالات، هو شكل من أشكال الانحطاط الأخلاقي يعتمد المنطق الشاذ التالي: السياسة في لبنان محفوفة بالمخاطر كونها مبنية على الارتزاق لأجندة خارجية في مقابل أجندة خارجية ثانية، وبالتالي فإنها سياسة مافيوية بمجملها، والقتل طبيعي في هذه الحالة، وينبغي إما رفع درجات الحيطة والحذر، أو الاعتصام بحبل التقية، أو التحلي بروح رياضية لتقبّل المصاب، مع الاتصاف بشهامة مافيوية، تفوّض أمرها للقضاء في العلن، وتأخذ حقها بذراعها في السرّ، من دون امتهان الثأرية الشعبوية في الشارع.

ما يجري تمييعه هنا هو أوّلاً عدم التناسب الفظيع بين قدرات الفتك والبطش والإيذاء التي يمتلكها فريق الممانعة و"المقاومة" في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأهلية. وثانياً، فإن الفريق الذي يتبنى عملياً الاغتيالات إنما يتنبى أيضاً نظرة للداخل وللإقليم لا تقيم وزناً كبيراً لا لسلم أهلي، ولا لاقتصاد مسالم، ولا لسلام إقليمي ينبغي النضال حرباً أو سلماً من أجل تحقيقه، إنما تريد تعميم حالة اللاحرب واللاسلم كقاعدة مجتمعية عامة، تتغذى في إطارها عقلية الهيمنة الفئوية التي تقوم بغزوات موضعية بين الفينة والفينة. وهذا يرتبط بالتصور نفسه للاحرب واللاسلم كقاعدة تسيير الشأن الإقليمي مع القيام بحروب موسمية على طريقة تموز وما بعد تموز. هي نفسها العقلية التي صارت الآن تتبنى "تحليلياً" ما كانت تكابر عليه سابقاً من اغتيالات. بالتالي، عنف هذه العقلية لا يمكن تجزئته. إنه مركب واحد. وهذا المركب الواحد لا يمكن قراءته بجعل المغدور بهم ضحايا في فيلم "جيمس بوندي"، قتلوا بغرض الحفاظ على حبكة التسلسل المنطقي الأساسي للأحداث.

هكذا، يجري تصوير الفرقاء الأهليين على أنهم مجرد زعانف لأجهزة استخباراتية إقليمية ودولية تواصل الحرب الباردة بين المعسكرين "الشرقي" و"الغربي" على حساب اللبنانيين، وتستغلّ هؤلاء عاطفياً بالدرجة الأولى، لتقسيمهم بين شهداء اللعبة الأمنية العبثية اياها. وفي هذا، يبدو أن أهل "التفسير الجيمس بوندي" لمسلسل الاغتيالات لم يتعلموا شيئاً من كل التفكير اللبناني وغير اللبناني الثري بالفعل حول المسألة الطائفية ومستوياتها المركبة وأبعادها اللامحصورة. فإذا كان ينبغي بالفعل الحذر من الشكل الذي تتماهى معه الجماعات الأهلية مع رموزها الأحياء منهم والأموات، لا سيما المغدورين منهم، إلا أن هذا الحذر الضروري للمقاربة المتعقلة بالانشقاق الأهلي والمجتمعي والكياني شيء، في حين أن خلط الحابل بالنابل، وتحويل المغدور بهم في عمليات الاغتيال الى مجرد قرابين على مذبح لعبة الأمم شيء مختلف تماماً، وهو يصدر عن ذهنية غير سوية تتصور أنها حينها "تتعالى" تحليلياً على بلدها، فتتوهم تحررها من اللعبة المافيوية الاستخباراتية العبثية التي نكب البلد بها، فإنها ترتقي بذلك الى تملك النظرة الشاملة. أمام هذه الذهنية، لا مناص من تذكر كلمات الرئيس الشهيد رفيق الحريري: "ما حدا أكبر من بلده".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل