إن أسوأ أنواع العمل السياسي القائم على تزوير الوقائع وتجهيل الحقائق وتحريف النصوص وتحوير المعاني والادعاء بخلاف ما يضمر ويبغي ويعمل، فيما أنبل عمل سياسي القائم على قول الأمور كما هي وتسمية الأشياء بأسمائها بعيداً عن اللف والدوران وكلام لـ"الخورية" وآخر لـ"الرعية" وحديث تحت الطاولة وآخر فوقها، لأنّ الأوطان لا تُبنى على التكاذب والتحايل والتذاكي، بل على الصدق والشفافية والصراحة، وإلا ستبقى هذه الأوطان في العناية الفائقة تنتظر الموت المحتم.
ولعلّ مناسبة هذا الكلام ما قاله النائب نواف الموسوي من "انّ المقاومة هي جزء من الميثاق الوطني، وهو ما نصّ عليه اتفاق الطائف، وانّ خَرقه عبر المَسّ بالمقاومة يطرح علامة استفهام كبرى على هذا الميثاق برمّته".
كان الحري بالنائب الموسوي القول، على سبيل المثال، إن اللبنانيين إبّان التحضير لاتفاق الطائف كانوا منشغلين بالانقسامات الطائفية وحروب الميليشيات والتبعية للخارج وغير مُدركين لأهمية المقاومة وأولوية الصراع مع إسرائيل، هذه الحقيقة التي أظهرتها وأثبتتها السنوات التي تلت التوقيع على هذا الاتفاق من انتصارها في فرض تفاهم نيسان في العام 1996 مروراً بإجبار إسرائيل على الخروج من لبنان في أيار 2000 إلى تلقين الجيش الإسرائيلي في تموز 2006 دروساً عسكرية لن ينساها في حياته. وبالتالي، هذه المعطيات تفترض إعادة النظر في الدستور الذي أسقط عمدا أو سهوا أو جهلا أو قصرا مسألة جوهرية ميثاقية، والتي حان الوقت لتشريعها عبر وضعها كبند أول في مقدمته بجعل المقاومة موازية، لا بل أهمّ من الشراكة المسيحية-الإسلامية، كونها تتصِل بدور لبنان ووظيفته وعزّة الشعب اللبناني وكرامته.
من حق الموسوي قول هذا الكلام وحبّة مسك، لأنّ التعايش لا يتم بالإكراه والفرض بل بالتراضي والتوافق، كما من حق الطرف الآخر رفض نظرية الموسوي جملة وتفصيلا. وحيال هذا الواقع، تبرز ثلاث مقاربات: إبقاء الوضع معلقاً إلى حين تغيير أحد الطرفين قناعته، محاولة كل طرف الحسم على الآخر أو انتظار معطيات خارجية لفرض وجهة نظره، الطلاق حُبياً. وإذا كان الحزب يراهن على الحسم والإطباق على البلد، فكل التجارب التاريخية واللبنانية تحديداً دَلّت على أن محاولات فرض أمر واقع مصيرها الفشل، ولَو بعد حين. وبالتالي، فإنّ أساليب المزايدة بالوطنيات وخطف قرار الناس والهيمنة بذريعة المقاومة لم تعد صالحة في هذا الزمن، زمن الثورات العربية التي أسقطت شعوبها كل ما يسمّى بمحرّمات ومقدسات على مذبح حريتها وكرامتها.
فالمطلوب بالدرجة الأولى مصارحة الناس ليُبنى على الشيء مقتضاه. أمّا القول إنّ "المقاومة هي جزء من الميثاق"، فهذا الكلام مردود لأنه، عَدا عن غياب التوافق على موضوع المقاومة، فإنّ طبيعة الانقسام السياسي ما قبل الطائف كان بين المسيحيين والمسلمين. وبالتالي، لا يمكن لأيّ "أهبَل" مسيحي أن يوافق على بارودة إسلامية، كونها تخلّ بكل بساطة بالتوازنات الداخلية لمصلحة فريق البارودة التي سيستخدمها حكماً بالترهيب المعنوي حيناً والحسم العسكري أحياناً أخرى، ولا حاجة لإيراد الأمثلة المعنوية والواقعية التي لا تعدّ ولا تحصى وهي أكثر من معروفة.
وكل ما يحاول هذا الطرف التلَطّي خلفه في نصّ اتفاق الطائف، هو مجرد التفاف على روح الدستور بمجمله والفقرة المقصودة نفسها، إذ يحاول تأويل البند (ج) من المادة 3 تحت عنوان "تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي"، والذي ينص على الآتي: "اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الاراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة (…)، ففي الطائف كله لا يرى "حزب الله" سوى هذا البند الذي يعمل على تفسيره على هواه، فيما هو واضح وضوح الشمس بأنّ الدولة هي المخوّلة اتخاذ كافة الإجراءات. وكل الدستور يتمحور حول عنوان الدولة، ولو كان هناك أيّ استثناء لكانت تمّت الإشارة إليه بأن ما يسمّى المقاومة مهمتها اتخاذ هذه الإجراءات. وما حصل في الواقع، منذ الانقلاب على الطائف سورياً وإيرانياً، أنه تمّ تكليف "حزب الله" بإدارة الصراع مع إسرائيل، لمصلحة دمشق وطهران ومن خارج الدولة وعلى حسابها.
ومع الإدراك أن لا حاجة إطلاقاً للدخول في أي نقاش من طبيعة دستورية أو بديهية، من قبيل أن ثمّة مصطلحات لا تحتمل التفسير والاختلاف كالسيادة
والاستقلال والحرية، ولكن ماذا يقول النائب الموسوي مثلاً عن البندين الأول والثالث من المادة 2 تحت عنوان "بسط سيادة الدولة"، إن لجهة "الإعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية"، من دون الإشارة إلى استثناء أو ذكر للمقاومة، أو لناحية الكلام الواضح بـ"أنّ المهمة الأساسية للقوات المسلحة هي الدفاع عن الوطن"، من دون كلام عن مقاومة أو مؤازرة من هذه الميليشيا أو تلك. إن كل فلسفة اتفاق الطائف تتناقض مع علّة وجود المقاومة كلها، والمساكنة بينهما مستحيلة. فاستمرار المقاومة يعني تغييب الطائف، وقيامة الطائف تعني زوال المقاومة. وبالتالي، المطلوب من النائب الموسوي مصارحة اللبنانيين بعيداً عن دَجَل هيئة الحوار وما يتصِل بها من خطاب سياسي تضليلي، والقول بصريح العبارة: "لن نتخلى عن السلاح وروحوا بَلّطوا البحر". هذا الكلام الذي يشكّل مقدمة جدية للحلّ مع ردّ الطرف الآخر برَفضه العيش في ظلّ هذا السلاح، وعلى قاعدة: ليَذهب كلّ طرف إلى سبيله.
