#adsense

واذا جاءت الديمقراطية من اميركا؟! (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

محزنة الديمقراطية!! أبعد من ذلك، هي مستفزة محبطة، محبطة لمن لا يعيش في ظلالها، تحت جناحها بين رموشها. أنظر الى الولايات المتحدة، يا الله كم هم سعداء، كم نحسدهم. ليس لوفرة الهناء والرخاء في مساحاتهم الشاسعة الهائلة، ولكن لوفرة مساحات الديمقراطية الهائلة الشاسعة.

لم يعلّق اوباما صوره على حيطان أميركا، لم يدهن رومني سقف البلاد بطلّته الجمهورية المحببة، لم يدر المرشحان في طول البلاد وعرضها لشراء الاصوات في الزواريب الضيقة، لا زواريب هناك، واذا حصل، تحصل الفضيحة الكبرى ويموت المرشح وان لم يمت… هناك أصوات تسقط في الصناديق ولا من يجرؤ على سؤالها "انت مع مين؟"، اصوات تسقط فترفع وحدها من تريد ليدير شؤونها. المغنية مادونا الشهيرة بتأييدها لاوباما وفي حفلها الموسيقي الاخير وعندما طالبت الجمهور بالتصويت لاوباما غضب منها وبدا ينسحب تباعا من الحفل ثم عادت وصححت الطلب فقالت المهم ان تذهبوا الى صناديق الاقتراع، ولا يهم لمن تصوتون. هذه اميركا.

لا ديمقراطية في الاشعار هناك، ولا من يتغنّون بها بالكلام الجميل المرصوص كاللؤلؤ، الديمقراطية هناك سيف حاد يقطع من لا يؤمن بها ومن لا يمارسها فعلا لا شعرا.

ربح باراك اوباما ولاية رئاسية ثانية، كان جهّز خطاب النصر وأيضا خطاب الهزيمة. خسر رومني معركته وأعلن فوراً تأييده لرئيس البلاد الذي أصبح رئيسه المباشر. انحنى لاصوات الناس وخياراتهم، لم يتهجّم على المقترعين، لم يعلن انه سيطعن بالنتائج، لم يصرخ بانه خسر لان التزوير كان سيّد الصناديق، لا شيء من كل هذا، حمل الخسارة وتوجه الى رئيسه بالتهنئة، وحمل اوباما الفوز واعلن نيته التعاون مع منافسه الجمهوري بعدما هنأه على حملته الانتخابية الناجحة.

خاض الاميركيون معركة انتخابية شرسة وُصفت بالاكثر كلفة في تاريخ الولايات المتحدة، دخل الديمقراطيون والجمهوريون معركة كسر عظم سبقتها مناظرات حامية جدا بين الرجلين، قالا فيها كل ما يمكن قوله من انتقادات حادة، ووصلت الى سقف عال من التحدي بينهما، من دون أن يصلا الى مرحلة التجريح. هو الخيط الرفيع بين الانتقاد والتجريح وقفا عليه ولم يسقطا. التجريح هوية اللاديمقراطية عندنا نحن المتخلفين. بالصوت العالي متخلفون لاننا لا نجيد أكثر من الشتيمة، وعندما نذهب صوب الديمقراطية نُتهم بالتخلف!! تصوروا هذا النقيض، هذا الفارق الجهنمي بيننا وبينهم.

من لا يحب "أمريكا"، اليوم سيكرهها أكثر وأكثر، لانها تكشف عورة التخلّف والاختباء خلف الشعارات الفارغة. ومن يحب "أميركا"، اليوم سيحبها أكثر وأكثر لانها تعكس كل الرغبات الملحة والعطش عطش السنين والدهور الى ديمقراطية مماثلة. هو ايضاً ليس حباً للحب انما الاعجاب الممزوج بالقهر. اعجاب بدولة تسمع اصوات ناسها وتنحني لهم من دون نقاش. والقهر أيضا وأيضا، لان كلما اقتربوا هم من الديمقراطية، كلما بعدت المسافات بيننا وتلك الجميلة المتغاوية من بعيد أمام عيوننا، تلوّح لنا للحاق بها ولا نستطيع أن ننال منها ولو حتى قبلة. سراب في صحراء.

لن أقول اني تمنيت ان أكون أميركية الجنسية، وان كان الامر مريحاً بالطبع، ولكن تمنيت حتماً ان أعيش تلك التجربة الرائعة النادرة، لاعرف وأتذوق وأمزمز عن جدّ، كأسا طيّب المذاق لا ينتسى وادمنه كل العمر، تلك الديمقراطية المدمّرة العابرة للقارات، والتي لم تجد بعد مطارا يستقبلها في بلاد العرب، وأيضا وأولا وأخيرا في لبنان… لو ننال منك قبلة فقط لتغيرت كل احوالنا!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل