#dfp #adsense

راجح الكذبة وكذبة الفراغ

حجم الخط

حاولت قوى 8 آذار، وما تزال تحاول، استنساخ كذبة راجح التي كانت الحبكة الاساسية لفيلم «بياع الخواتم» للاخوين رحباني، واعطائها اسماً جديداً هو كذبة الفراغ الذي يجب أن يخافه اللبنانيون، في حال استقال وحيد زمانه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ولا بأس لو عممنا الخوف من الفراغ على جميع الدول الصديقة والشقيقة الحريصة على استقرار لبنان، وافهامها بأن الفراغ الحكومي يعني فتح الباب امام الفتنة والقلاقل وضرب الاستقرار، ولزيادة تشويه صورة الفراغ وتبشيعها، اتهامه بانه سوف يدخل لبنان في المجهول.

من يأخذ استقالة الحكومة في هذا الاتجاه «الراجحي»، يدن نفسه مسبقاً بأنه عازم على ملء الفراغ، باستخدام القوة في الشارع، ان لم تهبّ الرياح في شراعه كما يشتهي ويرغب، في حين كان الاولى لمن يتكلم عن الفراغ ومساوئه ان يفكّر مسبقاً بأن تصرّفاته الشاذة في الحكم، ستوصل البلاد عاجلاً أم آجلاً الى الفراغ، هذا الفراغ الذي تحسّب له الدستور، فاعطى الحكومة المستقيلة حق تصريف الاعمال حتى تشكيل حكومة جديدة، وألزم مجلس النواب بأن يصبح حُكماً في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة، ما يعني ضمناً ان البلاد ستكون في مأمن دستوري، لا فراغ فيه، بوجود رئيس للجمهورية يمارس مهامه الدستورية على اكمل وجه، ومجلس نيابي رقابي في حالة انعقاد دائم حتى تشكيل حكومة جديدة، بدلاً عن الحكومة التي تصرّف شؤون المواطنين، أماّ التمسّك بهذه الحكومة من قبل الاطراف المستفيدة من وجودها، فهو ليس لأن قلبهم على هذا البلد، والاّ كانوا تصرفوا طول السنوات الماضية، وخلال وجودهم في هذه الحكومة، من منطلق الشعور وطنياً ولبنانيا، وكيف يمكن المحافظة على اللحمة بين شرائح المجتمع اللبناني، ولو في حدّها الادنى، ولكن استئثارهم بالسلطة منفردين دون شريك او حسيب، فتح شهيتهم على المناصب والمغانم، وما يمكن أن توفّر لهم الحكومات النقيّة الدم من مكاسب يمكن الاستفادةمنها في الف وجه ووجه، ولذلك فان الازمة القائمة ليست في العمق ازمة حكومة سيئة يجب وضع نهاية لها وحسب، بل ان ما حصل قبل تشكيلها، واثناء تشكيلها، وبعد تشكيلها، وما يحصل اليوم، يدل حقيقة على ان ازمة هذه الحكومة هي جزء من ازمة وطنية كبيرة، تدور بين نهجين واستراتيجيتين وايمانين وانتمائين، فهناك فريق يؤمن بلبنان وينتمي اليه، ويعمل في سبيله وسبيل قيام دولة قوية تحميه وتحمي شعبه، وفريق آخر، اهتماماته مختلفة، لأن ايمانه وانتماءه مختلفان، ومن الطبيعي ان يكون نهجه متصالحاً مع ايمانه وانتمائه، وهذه مشكلة معقدة وصعبة، ولكن يجب مواجهتها بشجاعة وصدق، اذا اريد لهذا الوطن ان يبقى قطعة واحدة لا تتجّزأ.

* * *
في هذا المجال تحديداً، تندرج دعوة البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي الى البحث والتفتيش عن ميثاق وطني جديد، يأخذ في الاعتبار التغيرات الدراماتيكية الجذرية التي يشهدها عدد من الدول العربية، والتغيرات التي شهدها لبنان، بفعل الحرب أولاً، وبسبب قيام احزاب وتيارات دينية مسلحة ثانياً، والتي غيّرت العديد من السمات التي كانت طاغية على الطابع اللبناني التقليدي، واصبحت هذه التيارات والاحزاب ترخي بثقلها على الدولة والشعب في آن معاً، وقد يكون عدم تطبيق اتفاق الطائف في شكل سليم، والاستنسابية المقصودة في تطبيق بعضه، وتجاهل البعض الآخر، خصوصاً الاصلاحات السياسية، مثل قانون الانتخاب، واللامركزية الادارية، واستحداث مجلس للشيوخ، قد فاقمت المشكلة، ورسّخت الغلط في الحياة السياسية، وفي العلاقات بين شرائح المجتمع اللبناني، بحيث لم يعد للآخر اي اهتمام او قيمة او حق، واصرار رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على تنفيذ اللامركزية الادارية قبل نهاية ولايته، قد يكون مدخلاً لتنفيذ اتفاق الطائف بكامله، بما يريح جميع اللبنانيين، ويعيد الى الدولة، عزّها، ودورها، وقرارها وسلطتها، التي فقدتها بسبب، نموّ دويلات ومزارع واجنحة عسكرية قربها وفي قلبها وعلى جوانبها.

جاء الوقت ليخرج لبنان من راجح الكذبة، الى راجح الحقيقي، راجح السلام والفرح والندّية والشراكة الحقيقية، وفي ظروفنا الحالية الصعبة، يتقدم مطلب استقالة الحكومة على ما عداه، لأنه المدخل الوحيد المتاح راهناً، لتخفيف الاحتقان قبل أن يبلغ ذروة احتقانه

المصدر:
الديار

خبر عاجل