#adsense

بورك باراك

حجم الخط

 انتخاب باراك اوباما لولاية ثانية رئيساً للولايات المتحدة حدث بالغ الاهمية وله تأثيرات سياسية واقتصادية تتجاوز التقديرات المتداولة.
ولا بد من النظر الى خلفية انتصار أوباما من أجل تقويم نتائج الانتصار والولاية الثانية للرئيس الاميركي.

أوباما، الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة مع معاناة بلده والعالم الصناعي أسوأ ازمة مالية عالمية انطلقت صيف 2007 وباتت كالاعصار في تشرين الأول 2008 نتيجة افلاس بنك "ليمان براذرز" الاميركي الذي كانت موجوداته تفوق الـ700 مليار دولار، وشركة التأمين الاميركية الكبرى AIG التي كانت تحتاج الى 170 مليار دولار للانقاذ، كرس اهتمامه الاساسي لمواجهة هذه الازمة وتحديات السياسة الخارجية التي تطرحها روسيا والصين وتنظيم "القاعدة".

واستطاع أوباما انقاذ صناعة السيارات في الولايات المتحدة وأعاد اليها القدرة والاندفاع للابتكار والتجديد، كما استطاع انقاذ أكبر شركة للتأمين في العالم، ورسخ قدرات المصارف الكبرى على الاستمرار، وفي المقابل واجه ارتفاعاً في ارقام المديونية العامة، وتجاوز معدلات البطالة نسبة تسعة في المئة وانخفاض معدلات النمو الى ما دون اثنين في المئة وحتى واجه انعدام النمو في سنة أو سنتين.

وعلى رغم التحديات الكبرى والتي زاد مصاعبها توسع الازمة العالمية لتشمل غالبية الدول الصناعية، ولتؤدي الى ارتفاع معدلات البطالة في أوروبا الغربية الى مستويات قصوى، اعلاها نسبة 25 في المئة في اسبانيا، وأدناها 6,5 في المئة في المانيا، تمكن أوباما مع فريقه من استعادة النمو في الاقتصاد الاميركي، قبل الاقتصاد الاوروبي، وتدنى معدل البطالة عن ثمانية في المئة قبيل الانتخابات، وارتفاع مديونية الولايات المتحدة، رأينا تطوراً مماثلا له في غالبية البلدان الاوروبية الصناعية.

وهكذا فانه قبل الانتخابات الاميركية، بل قبيل هذه الانتخابات، كان الاقتصاد الاميركي قد بدأ ينمو بمعدل مقبول اثنين في المئة في مقابل انعدام النمو في أوروبا، وحققت الولايات المتحدة في السنتين المنصرمتين تطورات ملحوظة في مجال توفير الطاقة باسعار انخفضت تدريجاً وحققت لكل عائلة اميركية وسطياً ادخاراً في كلفة الطاقة لا يقل عن 1000 دولار سنوياً.

ويمكن اختصار موضوع الطاقة بأن الولايات المتحدة طورت بسرعة ثرواتها من النفط والغاز المكتشفين من صخور الطفال، وكميات الغاز المكتشفة تكفي حاجات البلد لمئة سنة، والحاجة الى استيراد النفط انخفضت وان تكن مستمرة، لكن مصادر الاستيراد صارت بالنسبة الى أكثر الكميات من كندا والمكسيك، البلدين العضوين في اتحاد "النافتا" أي اتفاق التجارة الحرة بين بلدان اميركا الشمالية.

في المقابل، كان ميت رومني المتحدي لباراك أوباما، يتباهى بانجازاته في عالم المال والاعمال ويؤكد قدرته، كصاحب خبرة في هذا المجال، على ضبط عجز الموازنة الاميركية واستعادة النمو بمعدلات متسارعة الخ، وهو يدلل على قدراته بالخبرة التي اكتسبها حاكماً لولاية ماساتشوستس.

ويبدو ان الناخبين الاميركيين لم يقتنعوا ببرامج رومني، ولعل خسارته أمام أوباما في ولاية ماساتشوستس كانت المؤشر الاول للنتيجة المتحصلة. فالرجل الذي يدعي النجاح حاكماً لولاية مهمة تقنياً وعلمياً كماساتشوستس يكتشف ان تقدير الناس لولايته مخالف لنظرته، والامر ذاته وان لم يكن على مستوى حاكمية الولاية، تجلى في ويسكونسن، الولاية التي يمثلها رفيق رومني في الانتخابات في الكونغرس، وولاية ويسكونسن اختارت بنسبة ملحوظة باراك أوباما، لذا فان رومني ورفيقه حينما خسرا اصوات الناخبين في الولايتين اللتين ينتميان اليهما، لا بد ان يكون قد أدركا ان الخسارة ستلحق على صعيد الولايات المتحدة كلاً.

* * *

اما بالنسبة الى لبنان، فان اعادة انتخاب باراك يزيل غيمة الخوف من شن حرب على ايران، يشارك فيها "حزب الله"، وينال خلالها لبنان دماراً لم يعرفه قبل 2006. ومعلوم ان أوباما رفض مهاجمة ايران هذه السنة، ومعروف ان رومني كان يطالب بمهاجمة ايران. ورومني كان رفيق نتنياهو في الدراسة، وهو في أحد تصريحاته البلهاء، اعتبر ان الفلسطينيين ليس لهم أي حق في ارض فلسطين، في حين ان أوباما، في خطابه في جامعة القاهرة خلال السنة الاولى لرئاسته، خاطب العالم العربي والاسلامي بلغة العقل.

والانتخابات الاخيرة في الولايات المتحدة وفرت لاوباما دعماً أكبر مما وفرت لرومني من اليهود الاميركيين. بمعنى آخر، أظهرت غالبية اليهود في الولايات المتحدة انها لا ترغب في شن اسرائيل حرباً على ايران، والمخاطرة بمستقبل اسرائيل كدولة ومجتمع.

* * *

ان التوقعات الاقتصادية العالمية ترتبط الى حد بعيد بالقدرة على التحكم بتكاليف الانتاج، واستعادة معدلات النمو المقبولة، ولنقل نحو ثلاثة في المئة في أوروبا، وأربعة في المئة في الولايات المتحدة، وسبعة في المئة في الصين وأقل بقليل في الهند.

ان هذه النتائج أقرب الى التحقيق مع قيادة أوباما منها مع قيادة رومني. ذلك ان الاخير كان يرى من الضروري مقاطعة الصين ومعاقبتها لاستمرارها في خفض سعر عملتها الوطنية، وكان يعتبر روسيا العدو الاستراتيجي للولايات المتحدة، ويعتقد ان انكلترا عاجزة عن توفير شروط النجاح للالعاب الاولمبية، الامر الذي استثار سخط الصحافة البريطانية كما كبار السياسيين في بريطانيا.

أوباما، على العكس، متنبه لضرورة تطوير العلاقات مع الصين، التي صارت أهم دولة لصادرات السيارات الاميركية أو انتاجها محلياً، كما مولدات الكهرباء الضخمة، والطائرات التجارية. والشركات الاميركية هي المستثمر الاجنبي الاكبر في الصين. وأوباما في احدى المناظرات مع رومني، قال له إنك تعتبر روسيا العدو الرئيسي للولايات المتحدة، في حين اننا حققنا اتفاقات مع الروس لخفض الاسلحة النووية، والتبادل التجاري والتقني لم يكن متوافراً من قبل، وتشاركنا مع الروس في الرحلات الفضائية، وروسيا بلد اساسي لمستقبل الازدهار والسلام في العالم.

تناقض المواقف والقناعات والتوجهات بين المرشحين الاميركيين يظهر ان العالم في مختلف انحائه صار أوفر اطمئناناً الى المستقبل السياسي والعسكري والاقتصادي مع انتخاب باراك أوباما لولاية ثانية. نحن على ثقة من انه ستتحقق خلالها اختراقات اقتصادية لم يتح المجال لتحقيقها في الولاية الاولى.

المصدر:
النهار

خبر عاجل