لم يكن خافيا على الحكومة لدى اتخاذها قبل اشهر قرار اصدار سلسلة رتب ورواتب جديدة ان سنة 2012 ستكون الأسوأ اطلاقا في المؤشرات والمعدلات الاقتصادية والمالية وانها سنة لا يمكن فيها القيام بقفزات ومغامرات خطرة وان اقصى الطموحات فيها هو مجرد الصمود فقط على غرار سائر المؤسسات الصغيرة والكبيرة.
مع ذلك ادى فتح باب المزايدات بين القوى الحكومية الى ركوب هذا المركب الخشن، الى ان وجدت هذه القوى نفسها محاصرة في حفرة عميقة بين وعد مرتجل وعجز مالي واقتصادي عن المضي في تنفيذه. ولكن تراجع الحكومة عن هذا القرار لا يتصل بالعامل المالي والاقتصادي وحده، بل يذهب الى الابعد المتعلق بالولادة الثانية للاكثريين الجدد في لبنان. وهي ولادة بدأت عقب اغتيال اللواء وسام الحسن وتأخذ مداها الان في انتظام جديد لقوى الاكثرية في مواجهة حملة المعارضة لاسقاط الحكومة. ويمكن الاستدلال الحسي عليها بمجموعة اندفاعات حكومية كانت حتى الامس القريب اشبه بالاستحالات.
يأتي في مقدم هذه المؤشرات زوال سحري للمعارك الصغيرة بين قوى الاكثرية لتحل محلها توافقات منهجية على اقتسام جبنة التعيينات اسبوعا اثر اسبوع بسرعة منقطعة النظير كأن الاكثرية تقنص الوقت وتتصيد لحظة الصراع لملء الفراغات الادارية بأمر واقع داخل الدولة يحصن الامر الواقع السياسي الاكثري.
ويليها في المرتبة الثانية استقواء غير مألوف في مواجهة الحركة النقابية، ورفع شعار الاستقرار المالي لتبرير الانقلاب على القرار الحكومي نفسه باقرار سلسلة الرتب والرواتب لان القوى الحكومية التي سكرت سابقا بالوعد الشعبوي تدرك الان انها يمكن ان تسقط بمفاعيل ترجمة الخطأ الذي ارتكبته، وان البقاء في السلطة يستأهل كلفة شعبية. كما ان الحكومة لن تخشى مساءلة نيابية او سياسية ما دامت مرحلة الصراع مع المعارضة ستطول الى ابعد مما يعتقد كثيرون.
اما المؤشر السياسي الآخر فيبرز في شهر العسل الطالع بين مكونات الاكثرية ولا سيما منها قوى 8 آذار و"حزب الله" تحديدا والحزب التقدمي الاشتراكي، والذي يضمر على ما يبدو تخطيطا طويل الامد لخطب ود الزعيم الجنبلاطي ومحاولة تثبيت موقعه الى جانب هذه القوى على طول الخط حتى الانتخابات، اذا جرت طبعا في مواعيدها. بذلك تعمل قوى 8 آذار على تحويل الاكثرية الراهنة قوة سلطوية حتى الانتخابات، وفي أسوأ الاحوال التحكم بمصير الاستحقاق على امل الحسم النهائي في حال كسبت الكتلة الجنبلاطية كحليف انتخابي، او نسف الانتخابات في حال اخفاقها في هذه المحاولة والعجز عن تغيير قانون الستين الانتخابي.
هل تنجح الاكثرية في "استدامة" نفسها؟
الجواب في ثلاثة قصور: قصر المهاجرين في دمشق، وبيت الوسط في بيروت وقصرالمختارة.