#adsense

ماذا يريد الشعب اللبناني؟

حجم الخط

يبشّرنا البعض بأنه، وابتداءً من اليوم، ستبدأ الحكومة اللبنانية التي تسيطر عليها قوى 8 آذار بالعمل الجاد والمنتج لمواجهة المشكلات السياسية التي تتهدد مصير الوطن، والتصدي للملفات الاقتصادية التي حوّلت معظم اللبنانيين فقراء ومعوزين، والسهر على الأمن، الذي أبعدَ، إضافة إلى الفشل الاقتصادي، أكثر من نصف اللبنانيين إلى الخارج.

هذا التبشير، الهادف إلى ضخ جرعة من التفاؤل في الحياة الوطنية، يهدف أيضاً إلى منع اللبنانيين المتأثرين سلباً بالوضع الحكومي المجمّد، من التعاطف مع الرؤية التي وضعتها قوى 14 آذار لمعالجة الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية الناتجة من غياب الحكومة وعجزها عن معالجة مشكلات الناس، كل الناس وليس فقط مناصريها.

إلا أنه غابت عن مخطط هؤلاء الساعين إلى انعاش الوضع الحكومي النقاط الآتية:
أولاً: إن محاولة إنعاش الحكومة من "الكوما" التي تسببت بها ممارسات "حزب الله" السياسية والأمنية، هي اعتراف صريح بالفراغ الذي تعيشه البلاد منذ مدة طويلة وعلى كل الصعد، ولن تفيد التهديدات بالفراغ الذي هو سائد فعلياً منذ قيام هذه الحكومة.

ثانياً: إن كل الخطوات التي تبشَّر بها القوى الساعية لإنعاش الحكومة ستكون، في أحسن الأحوال، قرارات توازي بالأهمية موافقة مجلس الوزراء على التشكيلات الدبلوماسية، وليست قرارات جريئة في مختلف المجالات لإنقاذ لبنان واللبنانيين.

ثالثاً: انتظر اللبنانيون من قوى 8 آذار، ومن خلفهم "حزب الله"، أن يردوا على طروح قوى 14 آذار السلمية، بخطط ورؤى هدفها تحسين الوضعين الاقتصادي والاجتماعي. لكن اللبنانيين، الذين خبروا خلال الأعوام الماضية حقيقة الفريق السياسي المهيمن على الحكومة اليوم، والذي لم يستطع إنجاز شيء في ملفات حيوية مثل الكهرباء والماء، ومحاربة الفساد والإهدار، والأخطر عدم استطاعته وضع موازنة للدولة، هذا الفريق، وبنظر اللبنانيين، لن يستطيع أيضاً تقديم رؤية مالية واضحة، ليس فقط لمعالجة الدين العام، بل لأبسط من ذلك بكثير، كسلسلة الرتب والرواتب التي تحوّلت ما يشبه الأحجية التي لن يستطيع هذا الفريق حلها.

رابعاً: توقّع اللبنانيون من فريق 8 آذار رداً وطنياً على تحذير قوى 14 آذار من خطورة الوضع الإقليمي المتفجر، وخصوصاً بعد تقديم نتنياهو طروحه الخطيرة، والتي على أساسها دعا الى انتخابات نيابية مبكرة عنوانها التحالف مع "إسرائيل بيتنا" بقيادة ليبرمان. هذا التوجه الخطير لنتنياهو، القائم على عدم الاعتراف بمبدأ الدولتين والدعوة إلى تشريع واقع الكيانين في غزة والقطاع، يستدعي من كل المخلصين الحقيقيين للقضية الفلسطينية في لبنان تحصين الوحدة الوطنية اللبنانية التي ستواجه، عاجلاً أو آجلاً، استحقاقات سيزيد من خطورتها ارتباط بعض اللبنانيين بمشاريع إقليمية تتقاطع مصالحها في غير مكان مع توجهات اليمين الإسرائيلي.

خامساً: توقع اللبنانيون من قوى 8 آذار، التي طبّلت للتعابير الديبلوماسية الدقيقة التي استعملها ممثلو الدول الكبرى بعد لقائهم الرئيس ميشال سليمان، وزمرّت للدعم الفرنسي الرسمي للبنان الذي تجلى في زيارة الرئيس هولاند بيروت، أن تفهم أن تهديداتها المستمرة لهم لن تمنعهم من المطالبة بإسقاط هذه الحكومة.

سادساً: يجب أن تعرف قوى 8 آذار أن لا شيء أكثر أهميةً ومصيريةً بالنسبة إلى لبنان واللبنانيين من إدراك أنّه لم يعد ممكناً استمرار الدويلة التي أسسها "حزب الله" على هامش الدولة. لم يعد مقبولاً أن تستمر هذه الدويلة شريكاً مضارباً في العلاقة مع قضية الدولة وقضية الوحدة الوطنية وقضية السيادة… هذا الخلل التكويني الذي كرسته الحكومة الحالية من شأنه الوصول إلى مستويات خطيرة، تتهدد قدرة لبنان وصيغته على الصمود إزاء المتغيرات الضاغطة، وأخطرها الأزمة السورية المتمادية والتحولات في الرؤيا الإسرائيلية لمستقبل المنطقة، واستمرار السعي الإيراني لزعزعة استقرار دول الخليج العربي. لقد رسّخت هذه الحكومة، عبر هيمنة "حزب الله" عليها، معادلة ارتهان الداخل للخارج على النحو المخلّ الذي نعيشه اليوم ويعاني منه اللبنانيون. ولا تجد قوى 8 آذار غضاضة في الاعتراف بهذا الأمر، الذي ارتقى لديها إلى مستوى المجاهرة والتفاخر. فالارتباط بقوة خارجية (دولة أو مرجعية سياسية أو روحية) بات عند هذه القوى عنوان قوة تستعمله لتهديد جميع اللبنانيين وليس قوى 14 آذار فقط.

سابعاً: أمل اللبنانيون من قوى 8 آذار أن تستنتج أنها لن تستطيع بعد الذي حدث، الاستمرار في سياسة جرّهم إلى التهلكة. وبعكس التوقعات، أمعنت هذه القوى في السعي إلى المزيد من المكاسب الفئوية، عبر ممارسة سياسات تطغى عليها الخفة والاستخفاف بمصير بلدهم. ليس بطولةً وإنجازاً تعيين عدد من السفراء وفق مبدأ التقاسم الفئوي، ومن ثم تبشير اللبنانيين بأن هذه الحكومة قررت الرد على طروح قوى 14 آذار بمزيد من العمل والانتاجية.

بناءٍ عليه، أصبح واضحاً للبنانيين أن تهديدهم من "حزب الله" بفراغٍ مزيفٍ إذا تمادوا في تأييدهم لمبادئ قوى 14 آذار الهادفة إلى استرداد السلطة من براثنه هو الخطر الذي يتهدد مستقبل وطنهم. أصبح جلياً أن هذه السلطة هي التي تغطي المؤامرات الخطيرة التي تنفذها قوى إقليمية ودولية، والتي تهدف إلى ضرب الأسس والمرتكزات التي قام عليها لبنان وحمته حتى الآن وإلى إلحاق مكوناته بالمصالح والمشاريع التخريبية في المنطقة.
أصبح واضحاً للبنانيين أنّ نسبة نجاح هذه الحكومة في احتواء الأزمات الداخلية والخارجية لا تتجاوز الصفر.

وأصبح مؤكداً لجميع اللبنانيين أن هذه الحكومة ليست هي ما يحتاج اليه لبنان في هذه المرحلة، إذ يتطلب الأمر مراجعة عميقة، تؤدي إلى سياسات ومقاربات… وقيادات أٌخرى.
إذا كانت كل هذه الأمور واضحةً للجميع، فلماذا يكابر البعض متحججاً بخوفه على مصلحة اللبنانيين؟

إن اللبنانيين يعرفون تماماً مصلحتهم، ويعرفون تماماً ماذا يريدون، وهم واعون دقة المرحلة، لكنهم أيضاً مدركون خطورة استمرار هذه السلطة بهذه الحكومة التي لم تنجز حتى الآن سوى خطط ومشاريع هدفت إلى تقاسم المصالح ورعاية الفساد وحماية القتلة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل