الإثنين بعد أحد بشارة زكريّا
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ كيرلُّسَ الأُورشليميّ (+387) تجسُّدُ ابنِ منَ الرُّوحِ والعذراءِ واقعٌ حقيقيّ (العظة 4، 9)
آمنْ بأَنَّ هٰذا ابنَ الوحيدَ للهِ نزلَ منَ السَّماءِ إِلى الأَرضِ بسببِ خطايانا، وأَنَّهُ أَخذَ طبيعتَنا البشريَّةَ المعرَّضةَ للأَلم، وولدَ من القدِّيسةِ العذراءِ ومنَ الرُّوحِ القدُس. وهٰذا التَّجسُّدُ لَم يتمَّ بحسبِ الفكرِ أَو بحسبِ المظهَر، بل تمَّ بٱلفعل. وجاءَ منَ العذراءِ لا كمنْ يمرُّ بقَناة، بل أَخذَ فعلًا جسدًا فيها. ورضعَ منها فعلًا، وأَكلَ وشربَ مثلَنا فعلًا. فلو كانَ التَّجسُّدُ مظهرًا لكانَ الخلاصُ مظهرًا أَيضًا. كانَ المسيحُ مزدرجًا: إِنسانٌ في ما كانَ يُرى، وإِلٰهٌ فيما كانَ لا يُرى. وكإِنسانٍ كانَ يأْكلُ مثلنا، وكانَ له جسدٌ معرَّضٌ للآلام، ولٰكنَّهُ كإِلٰهٍ أَطعمَ خمسةَ آلافِ رجلٍ خبزًا، وماتَ فعلًا كإِنسان، وكإِلٰهٍ أَقامَ ميتًا بعدَ أَربعةِ أَيَّام، ونامَ فعلًا في السَّفينةِ كإِنسان، وكإِلٰهٍ مشَى على الماء.
الرّسالة: روم 4: 1-12
إيمان إبراهيم
1 إذًا فمإذا نقول؟ مإذا نال إبراهيم جدُّنا بحسب الجسد؟
2 فلو أنَّ إبراهيم بُرِّرَ بالأعمال، لكان له فخرٌ، ولٰكن لا عند الله.
3 فمإذا يقول الكتاب؟: "قد آمنَ إِبراهيم بٱلله، فحُسِبَ له ذٰلك برًّا".
4 إنَّ مَن يعمل لا يُحسبُ أجره هبةً بل حقٌّ.
5 ومَن لا يعمل، وهو يؤمن بٱلّذي يُبرّر الكافر، يُحسب إيمانه برًّا.
6 وداود أيضًا يُطوِّب الإنسان الّذي يحسبُ الله برًّا بدون أعمال:
7 "طوبى للّذين غُفرت آثامهم، وللّذين سُترتْ خطاياهم!
8 طوبى للرّجُل الّذي لا يحسبُ الرّبّ عليه خطيئة!".
9 فهل كان هٰذا التّطويب على الختانة فقط، أم على عدم الختانة أيضًا؟ لأنّنا نقول: "حُسبَ الإيمان لإبراهيم برًّا.
10 فكيف إذًا حُسِبَ له الإيمان برًّا؟ أحين كانَ في الختانة أم في عدم الختانة بل في عدم الختانة!
11 ولقد قَبِلَ علامة الختانة ختمًا للبرّ الّذي ناله بٱلإيمان، وهو بعدُ في عدم الختانة، ليكون هو نفسه أبًا لجميع الّذين يؤمنون، وهم في عدم الختانة، فيُحسبُ له ذٰلك برًّا،
12 ويكون أيضًا أبًا لأهل الختانة، الّذين ليسوا أهل الختانة فحسب، بل هم يسلكون على خُطى الإيمان الّذي كان لأبينا إبراهيم، وهو بعدُ في عدم الختانة.
شرح آيات الرّسالة:
1-25 يوسّع بولس، في هٰذا المقطع، فكرةً سبق فأعلنها (3/21، 31): ميزة الشّعب القديم هي العهد والشّريعة، من جهة، وأبّوة إبراهيم، من جهة أخرى. يرى التّقليد اليهوديّ المعاصر لبولس، في إبراهيم، المثال في حفظ شريعة الرّبّ، أمّا بولس فيرى فيه المثال في الإيمان، فيركّز على نقاطٍ أساسيّة أربع: إبراهيم تبرّر بإيمانه لا بأعماله (4/1-8)؛ تبرّر بٱلإيمان، قبل إعطاء شريعة موسى، وشريعة الختانة نفسها (4/9-12)؛ إيمانه بالوعد جعله أبًا لا لشعب التّوراة فحسب، بل لجميع الشّعوب (4/13-17)؛ إيمانه جعله مِثال المؤمنين (4/17-25).
1 آش 51/1-2؛ متّى 3/7-10.
ماذا نقول: ترجمة أخرى"في رأينا" (3/5؛ 6/1؛ 7/7؛ 9/14، 30).
بحسب الجسد: في الأصل اليونانيّ، يمكن ربط التّعبير بٱسم، فيكون النّصّ: "إبراهيم أبونا بحسب الجسد"، ويكون الحديث عن المؤمنين المتحدّرين من نسل إبراهيم وحدهم؛ لٰكنّا آثرنا ربطه بالفعل: "أيّ شيء نال بحسب الجسد إبراهيم أبونا؟"، فيكون الحديث عن جميع المؤمنين، بغير تمييز، لأنّنا جميعَنا بٱلإيمان منتسبون إلى إبراهيم المؤمن. يشدّد بولس، في هٰذا المقطع، على أبوّة إبراهيم (4/1، 12، 16-18)، لأنّه موضوع جوهريّ في تفكير بولس، وبرهان على وحدة العهدين (غل 3/6-9).
2 بُرِّر بٱلأعمال: شدّد التّقليد الكتابيّ، والرّبّينيّ المعاصر لبولس، على ثبات إبراهيم وأمانته في المِحَن، فجعلاه مثالًا للتّبرير بالأعمال (حك 10/5؛ سي 44/20-21؛ 1 مك 2/52؛ يع 2/22). أمّا بولس فيجعل إيمان إبراهيم، وثقته الكاملة بوعد الله له، لا أعماله، مبدأ تبريره المجّانيّ، الّذي به صار المثال لكلّ مؤمن (أنظر عب 11/8-9).
فخر: موضوع يردّده بولس، في هٰذه الرّسالة، مرّات (2/17، 23؛ 3/27؛ 5/2، 3، 11؛ 15/17). يرى شُرّاح موضوع الفخر أساسيًّا في تفكير بولس: الخطيئة في جوهرها ٱدّعاء وٱفتخار أمام الله؛ يفتخر اليهوديّ بأعماله، واليونانيّ بحكمته أمّا المؤمن فيعترف أنّ كلّ شيء هو من عمل نعمة الله المجّانيّة، في يسوع المسيح، الّذي ألغى كلّ ٱفتخار بشريّ (روم 3/27؛ 1 قور 1/29، 31؛ غل 6/13). وصار هو نفسه موضوع الفخر الجديد الأسمى (روم 5/2؛ غل 6/14)، في الأفراح والآلام، على حدّ سواء (فل 1/26؛ 2/16؛ 2 قور 1/12؛ 7/4؛ 11/30؛ 12/9؛ 1 تس 2/19).
3 تك 1-5/6؛ 12/-15؛ غل 3/6-9؛ يع 2/20-24.
آمن فحُسب له ذٰلك برًّا: ليس فعل الإيمان عملًا قانونيًّا يستحقّ التّبرير أجرًا، لأنّ محبّة الله الفائقة، وبادرته الخلاصيّة، نعمة مجّانيّة، وهي المبرّرة. يجمع بولس، في ٱستشهاده (4/3، 7-8)، نصًّا من توراة موسى (تك 15/6)، وآخر من المزامير (32/1-2)، على الطّريقة الرّبّينيّة المعاصرة له، فيجمع معًا التّبرير بالإيمان مجّانًا، ومغفرة الخطايا مجّانًا والله هو الّذي يبرّر المؤمن، ويغفر للخاطئ، مجّانًا، على حدّ سواء (3/24؛ 4/7-8)، لأنّ تبرير المؤمن قائم بغفران خطاياه.
4 روم 11/6؛ متّى 20/1-16؛ لو 17/7-11.
5 غل 2/16.
من لا يعمل وهو يؤمن: لا يرى بولس الإيمان موقفًا سلبيًّا ناقصًا، ولا عملًا قانونيًّا، بل يراه عملًا إيجابيًّا كاملًا حرًّا، يشمل كلّ نشاط الإنسان المؤمن العامل بمحبّة (غل 5/6).
7-8 32/1-2.
7 سُتِرَت خطاياهم: تعبير كتابيّ عريق، لا يعني أنّ الخطايا باقية، مخفيّة عن عيون الله والنّاس، بل إنها مغفورة أزيلت ومُحيت، فلا وجود لها من بعد (مز 32/1؛ 85/3؛ مثل 10/12؛ يع 5/20؛ 1 بط 4/8)، وهٰذا المعنى واضح، من الإطار العامّ والخاص، السّابق واللّاحق.
9 تك 15/6؛ روم 4/3؛ غل 3/6؛ يع 2/23.
11 تك 17/9-14؛ غل 3/7-9.
خَتْمًا: اللّفظة اليونانيّة نفسها، ٱستعملها الأدب المسيحيّ القديم لفظةً تقنيّةً، يعني بها سرّ العماد المقدّس، ومفعوله في المعمّد، موسومًا وسمًا أبديًّا لا يُمحى (2 قور 1/22؛ أف 1/13؛ 4/30؛ يو6/27؛ رؤ 7/2-8؛ 9/4).
عدم الختانة: ترجمة أخرى "ذوي القلفة" حرفيًّا "بالقُلفَة".
الإنجيل
يو 8: 31-37
يسوع وإبراهيم
31 فقالَ يسوعُ لليهودِ الّذينَ آمنوا به: "إن تثبتوا أنتم في كلمتي تكونوا حقًّا تلاميذي،
32 وتعرفوا الحقّ، وٱلحقُّ يحرّركم".
33 أجابوه: "نحنُ ذُريّةُ إبراهيم، وما كنّا يومًا عبيدًا لأحد! كيفَ تقولُ أنت: تصيرونَ أحرارًا؟".
34 أجابهم يسوع: ألحقّ ٱلحقّ أقولُ لكم: كلّ من يعملُ الخطيئةَ هو عبدٌ للخطيئة.
35 والعبدُ لا يُقيمُ في البيت إلى الأبد، أمّا ابنُ فيقيمُ إلى الأبد.
36 فإن يُحرّركمُ ابنُ تكونوا أحرارًا حقًّا.
37 أنا أعلمُ أنّكم ذريّةُ إبراهيم، ولٰكنّكم تطلبونَ قتلي، لأنّ كلمتي لا تجِدُ فيكم مُقامًا.
شرح آيات الإنجيل:
31 يو 3/11؛ 15/7، 14؛ رسل 11/23؛ 2 يو 2.
لليهود الّذين آمنوا به: لم ترد هٰذه العبارة إلّا هنا، في إنجيل يوحنّا. وقد يقصد بها الإنجيليّ المسيحيّين من أصل يهوديّ، وكانو يبلبلون الجماعة المسيحيّة الأولى. وما آمن هٰؤلاء اليهود بيسوع إلّا بصعوبة، لأنّ إيمانهم به كان تنازلًا عن بعض تقاليدهم.
32 الحقّ: هو مشيئة الله الخلاصيّة، الّتي عبّرت عنها التّوراة والأنبياء في العهد القديم، وجسّدها يسوع المسيح، ٱبن الله وحكمته، في العهد الجديد. رفض رؤساء الشّعب اليهوديّ أن يروا الحقّ في يسوع، لأنّه رفض تقاليدهم الموروثة (متّى 15/3-6). أمّا من آمن بيسوع فقد عرف ٱلحقّ، وقبله.
وٱلحقّ يحرّركم. لا يرد فعل "حرّر"، في العهد الجديد، إلّا لدى يوحنّا (8/32، 36)، ولدى بولس (غل 5/1؛ روم 6/18، 22؛ 8/2، 21). ويحتوي المقطع (8/31-37) تعابير لم ترد إلّا في الفصلين (3، 4) من الرّسالة إلى غلاطية. يشدّد يوحنّا وبولس على أمرين: المسيح وحده يحرّر من عبوديّة الشّريعة والموت والخطيئة. وقبول يسوع، الإيمان به، كافٍ ليحرّر حرّيّة حقًا، لا حريّة نفسانيّة سياسيّة.
33 متّى 3/9؛ لو 3/8؛ يو 8/39، 56؛ نح 9/36.
ما كنّا يومًا عبيدًا لأحد: خضع اليهود لإحتلال الأشّوريّين (721 ق.م)، والبابليّين (586 ق.م.)، والرّومان (63 ق.م.)، وغيرهم. فٱستعباد المقصود لا يمكن أن يكون سياسيًّا، بل ٱستعباد روحيّ يقضي على الحريّة الدّينيّة، واليهود مارسوا شريعتهم في ظلّ كلّ احتلالات.
34 روم 6/17-19؛ 2 بط 2/19؛ 1 يو 3/8.
تهمل مخطوطات "للخطيئة".
35 تك 21/10؛ خر 21/2؛ تث 15/12؛ ار 2/14-15؛ غل 4/30.
العبد والابن: يرى الشّرّاح في هٰذه الآية مثلًا سائرًا يميّز ابن من العبد. ويقارنها آخرون بنصّ بولس (غل 4/30). وفي التّوراة (تك 21/10) لا يرث ٱبن الأَمَة مع ٱبن الحرّة: الأَمة هي هاجر، أمّ إسماعيل. واليهود الّذين لم يؤمنوا بيسوع، أو آمنوا ثمّ ٱرتدّوا، هم أولادها، أولاد أَمَة، وإِن من ذرّيّة إبراهيم: والحرّة هي سارة، أمّ إسحٰق. واليهود الّذين آمنوا بيسوع هم أولادها، أولاد حرّة. أولاد الأَمَة لا يرثون، ويرث أولاد الحرّة.
36 روم 6/18، 22؛ 2 قور 3/17.
38 يو 5/18، 38؛ 7/19، 25؛ متّى 21/33-46.
ذرية إبراهيم: لا تكفي قُربى إبراهيم، بل يجب إيمانه، الإيمان بمن أرسله الله من نسل إبراهيم (روم 4/1، 11-25؛ 9/7؛ غل 3/6-16). ومحاولة قتل يسوع دليل قاطع على أنّهم ما زالوا أولاد إبراهيم بالجسد، لا بالإيمان.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.