كلمة النائب عماد الحوت في حلقة حوار معراب حول "الارشاد الرسولي للشرق الاوسط ونصرة الكرامة الانسانية":
إسمحوا لي أن أبدأ مداخلتي بالترحم على البوعزيزي، الذي أشعل بثورته سلسلة من الثورات. وهو حين أحرق نفسه لم يقم بذلك لأنه كان مسلماً أو مسيحياً وإنما قام بذلك لأنه انتفض على المس بكرامته كإنسان. وهذا هو الجواب على سؤال: لماذا يضحي الإنسان العربي بحياته من اجل الحرية؟
تصوروا معي نبتةً وُضع فوقها سقفٌ زجاجي تحصل من خلاله على أشعة الشمس لتنمو، ومهما نمت فهي لن ترتفع أعلى من هذا السقف، ولكن بمرور الزمن والنمو المتواصل، قد ينكسر السقف الزجاجي ويرتفع، تلك هي العلاقة بين الحياة والحرية، فلا حياة إنسانية بلا حرية وبلا كرامة.
نصح وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كسنجر الدكتاتوريات العربية أن يزيدوا من قمع شعوبهم ليبقوا على كراسيهم، فأنتجت هذه النصيحة الإرهاب الذي لم يحل مشكلة الشعوب بل دفعت الثمن، فكان لابد من التحرك حتى سقوط الأغلال، والتحرر من كل ما يعيق الحرية وكرامة الإنسان.
عندما ننظر إلى زمن العهود البائدة نرى ان بعضنا كان مستسلماً عندما قيَّم نفسه بأقل مما كان فزاد من قيمة الطاغية على حساب قيمته وحريته، والطاغية لا يقوى إلا بتفريطنا، من هنا كانت أهمية أن نكسر حاجز الخوف ليتمكن المواطن من كتابة سيرته الذاتية بنفسه وتقرير مصيره.
والعدالة هي أيضاً تعبير عن المساواة بالكرامة لكل شخص، حاكماً كان أو مواطناً بسيطاً، من هنا كانت مقولة عمر بن الخطاب الشهيرة لعمرو بن العاص وقد ضرب إبنه قبطياً: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
الكرامة الإنسانية أيها السيدات والسادة، لا يمكن المحافظة عليها أو ممارستها إلا بوعي الأفراد لها والعمل في سبيلها لأن من ينكر الكرامة الإنسانية، إما يقبل بعبوديته أو يمارس طغيانه على أكثرية الناس باعتبار أنهم أقل قيمةً منه وكلا الأمريبن مرفوض.
وهنا أقتبس من الإرشاد الرسولي بعض ما يدعم هذه المفاهيم ويدعو اليه:
"فليهتم الرعاة بتربية المؤمنين على أن يكونوا شهوداً للشركة في جميع مجالات حياتهم… فالشهادة الأصيلة تتطلّب الاعتراف بالآخر واحترامه والانفتاح على الحوار".
"الحرية الدينية هي تاج كل الحريات،… إنها تشمل في الوقت ذاته، الصعيدين الفردي والجماعي،… وتشمل حرية اختيار الديانة التي يرتأي الشخص أنها صحيحة والتعبير علانية عن هذا المعتقد… تستمد الحرية الدينية جذورها من كرامة الشخص؛ إنها تضمن الحرية الأخلاقية وتنمي الاحترام المتبادل".
"من واجب وحق الكاثوليك في الشرق الأوسط، المشاركة التامة في حياة الوطن من خلال العمل على بناء أوطانهم، ينبغي أن يتمتعوا بمواطنة كاملة،… وكما كانت الحال في الماضي، إذ كانوا من رواد النهضة العربية، … ها هم يرغبون، اليوم وعلى الدوام، في مقاسمة خبراتهم مع المسلمين مقدمين اسهاماتهم الخاصة".
جاء هذا النص من الإرشاد الرسولي ليقرر أن المواطنة حق لكل إنسان وبالتالي لمسيحيي الشرق، ولكنه حق لا يُمنح أو يمتن به، إنما هو حقٌ يكتسب من خلال الدور الفاعل وهذا ما هو منتظر ومتوقع من مسيحيي لبنان ومسيحيي الشرق رواد النهضة العربية وعنصر من عناصر نسيجها. وهو دعوةً لعدم الاستكانة للتسلط على حق اللبنانيين أن تحكم إرادتهم هم لا إرادة الآخرين مصير مجتمعهم، إنتفاضةٌ واعية حريصة، تكسر الحاجز الزجاجي الذي وضعه البعض لنا ليوهمنا أننا نعيش الديمقراطية بأبهى صورها بينما يحاول أن يرسم لنا صورةً للبنان مقنعةً له دون أن تهمه قناعة الآخرين بها.
لهذا كله سأتناول بعجالة واختصار موضوع المواطنة كتعبير أسمى للكرامة الإنسانية بمختلف وجوهها واسمحوا لي أن ابدأ بمراحل العلاقة بين الناس وصولاً للمواطنة،
المرحلة الأولى، التعارف: ﴿يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا، …﴾. فلا يمكن أن التقي إنساناً آخر لا توجد أية مشكلة بيني وبينه، ثم أدير له ظهري ولا أكلّمه، ليس لسبب سوى أنه من دينٍ آخر أو رأيٍ مخالف.
المرحلة الثانية، التعايش: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم، إنّ الله يحبّ المقسطين﴾. إذالم يبدأك الآخر بحرب، ولم يخرجك من ديارك، فيجب أن تعيش معه بالبرّ والقسط والبرّ أعلى درجات حسن الخلق.
المرحلة الثالثة، التعاون: إذ لا معنى للعيش المشترك إذالم يتعاون الناس لتحقيق المصالح المشتركة. والحضارة التي نعيش في ظل خدماتها المادية الهائلة، كما نعيش في ظل أزماتها المتعاظمة، هي نتاج التعاون بين الناس على اختلاف أديانهم وفلسفاتهم وأفكارهم وأنظمتهم، وهي نتاج التكامل بين الأجيال البشرية المتعاقبة.
المرحلة الرابعة، المواطنة: وهي ليست مجرد قرار أو قانون، وإنما هي ثمرة التعارف والتعايش والتعاون. هي فعل انتماء للوطن، وتفاعلٌ بين الناس والمكان، ينشأ عنها عاطفة حب، ويترتب عليها حقوق وواجبات، وهي انتماء الى الناس الذين يسكنون هذه الأرض. وحين يتعايش الناس في وطن واحد، فلا بدّ لهم من مشروع وطني يجمعهم، وينظّم الحياة المشتركة بينهم، بدءاً من الدستور، واختيار السلطة، وتشريع القوانين والاحتكام الى نتائج الانتخابات وسيلةً ليأتي من يختاره الشعب من أجل خدمته والعمل على تحقيق مطالبه.
المواطنة بين الدولة الدينية والدولة المدنية
والإسلام لا يُقر (الدولة الدينية) وليس فيه امتيازات لطبقة رجال الدين على صعيد الحكم، فالحكم فيه حسب الكفاءة والأهلية ورضا الناس الذين من حقهم ممثلين بأهل الحل والعقد (المجلس النيابي) محاسبته، وتقويمه وإلا عزله.
وهي دولة مدنية تساوي بين مواطنيها بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم، ينص نظامها على حرية الجميع في الاعتقاد وممارسة الشعائر، وتضمن الفصل بين السلطات واستقلالها وقد حكم قاضٍ لصالح أعرابي على أمير المؤمنين عمر بين الخطاب، ولصالح يهودي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
هذه النظرة الإسلامية للدولة تناقض الدولة الدينية الثيوقراطية التي تمارس الحكم الإلهي، التي يحكم الحاكم فيها بإسم الله وينصّب نفسه نائباً عنه في حكم المجتمع، ويُكسب قوانينه وممارساته قداسةً مطلقة من قداسته، ولهذه الاسباب رفضت الثورات العربية الأخذ بالنموذج الإيراني لأنه يقوم على مؤسسات رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان مع وجود سلطة روحية أعلى منها هي سلطة الولي الفقيه.
هل هناك تعارض بين المواطنة ومصلحة الطائفة؟
تضم بلادنا تنوعاً دينياً ومذهبياً يمكن أن يشكل صورةً حضارية مشرقة للتعايش والتفاعل. والعلاقة بين الوطن وطوائفه يمكن أن تكون علاقة توافق وتكامل، حين تكون الحدود واضحة بين المساحة المشتركة والمساحات الخاصة، ويمكن أن تكون علاقة صراع، حين تريد الطوائف توسيع مساحتها الخاصة على حساب المساحة المشتركة، أو حين تريد السلطة توسيع المساحة المشتركة على حساب خصوصيات الطوائف.
وهكذا فالمسلمون والمسيحيون أحرار في أمورهم الدينية وأحوالهم الشخصية والدولة لا تتدخل في هذه المسألة إلا لتنظيمها، أما المسألة السياسية فهي مفتوحة لكل المواطنين بالتساوي حقوقاً وواجبات.
المواطنة والاستقرار:
لا يمكن لأي خطوة عملية في بناء مجتمعاتنا أن تتم إذا كانت المجتمعات تعيش في اضطراب دائم يهدد كل لحظة بتخريب ما يبنى وبتهديم ما بقي، ومن أدوات الاستقرار في نظرنا الخطوات التالية:
1. نشر ثقافة اللا عنف داخل مجتمعاتنا وترسيخ قيم التسامح والمحاسبة في إطارٍ قانوني عادل.
2. إدارة حوار مجتمعي حول خصائص الدولة التي خرجت الشعوب مطالبةً بها رافعةً شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الخاصة والأغراض الحزبية والمشاريع الإقليمية والخارجية، وتأكيد سيادة القانون والوقوف في وجه كل من يحاول إشاعة الفوضى.
3. التقدم على طريق المصالحة والسلم الداخلي، على قاعدة المكاشفة والاعتذار عن الأخطاء والمحاسبة، والمحافظة على مؤسسات الدولة وتعزيزها.
4. الاحتكام فقط لنتائج انتخاباتٍ حرةٍ ونزيهة تسمح بمشاركة الجميع كطريقٍ أساسي لبناء دولة مدنية يحدد ملامحها دستورٌ يقوم على قاعدة المواطنة وسيادة القانون.
5. الاعتراف بكل المكونات السياسية والمذهبية والطائفية والعرقية على قاعدة المواطنة والمساواة والحق في التعبير عن خصوصياتها الثقافية والمشاركة في بناء السلم الأهلي.
أيها الحضور الكريم،
لبنان وطن صغير بمساحة أرضه وعدد سكانه، وكبير برسالته الإنسانية، رسالة المجتمع المتنوع في العقائد والأفكار، الموحد حول القيم الإنسانية الثابتة، والمصالح المشتركة. فهل يتاح له أن يبني دولة معاصرة تحفظ حقوق الإنسان وتحمي حرياته، أم يظل خاضعاً للصراعات والتجاذبات الإقليمية والعالمية؟
كلنا أمل أن المستقبل للإنسان وللقيم الإنسانية، قيم الحق والعدالة والأخلاق، مهما طال الزمن وكثرت التضحيات.