كلمة المطران بولس روحانا في حلقة حوار معراب حول "الارشاد الرسولي للشرق الاوسط ونصرة الكرامة الانسانية":
صاحب الرعاية حضرة الدكتور سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانيّة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرة الكهنة والرهبان والراهبات الأفاضل،
أيها الإخوة والأصدقاء،
1. يسرُّني ويُشرِّفُني أن أَلتَقِيَكُم، بدعوةٍ كريمة من جهاز التواصل والإعلام في حزب القوات اللبنانيّة، للمشاركة بحلقة حوار في هذا الصرح السياسي، حول نصّ الإرشاد الرسولي: "الكنيسة في الشرق الأوسط، شركة وشهادة". إنها لمناسبةٌ طيِّبة أن يَدخُلَ هذا النصّ، الذي وقَّعَهُ قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر على أرضنا، في الرابعَ عشرَ من أيلول المنصرم، أن يدخلَ المساحة السياسيّة لنَتَشارَك جميعًا في مسيرةِ التَعرُّف إلى مضمونِه والإستنارة به في سعينا المشترك لنصرة الكرامة الإنسانيّة في منطقة الشرق الأوسط.
2. كيف لي ألاّ أُثني على إيجابيّة هذه المبادرة التي تعبِّر في طيَّاتها عن التكامل المرجوّ بين الدّين والسياسة، أو بين الكنيسة والسياسة طالما يلتقي أهل الدّين والسياسة على العمل معًا في سبيل نصرة تلك الكرامة ونشدان الخَير العام، ضمن احترام خصوصيّة واستقلاليّة كلّ منهما. إنَّ هذه المبادرة تصبّ في نظري في ما يُسمِّيه قداسة البابا في العدد 29 من الإرشاد الرسولي، "بالعلمانيّة السليمة". وهذه العبارةُ تَعني في نظر قداسته: "تحريرَ المُعتقد من ثقل السياسة، وإغناءَ السياسة بإسهامات المعتقد، مع الحفاظ على المسافة اللازمة والتمييز الواضح والتعاون الضروري بينهما". ويُضيفُ قداستُه: "لا يمكن لأيّ مجتمع أن يُطوِّر نفسَه تطويرًا سليمًا بدون تأكيد الاحترام المتبادل بين السياسة والدين، متجنّبين الوقوع في التجربة المستمرة للخلط أو التعارض بينهما" (mélange et opposition). علّ تلك المناسبة التي تجمعنا اليوم تكونُ بادرةَ تعاون مُثمِر بين أهل الفكر والدين والمجتمع والاقتصاد والسياسة نصرةً للقضايا الإنسانيّة المشتركة التي تهمّ شعوب منطقتنا، بحيث يغدو كلّ منّا، بفرادته وخصوصيّته المشروعة، مسؤولاً عن الكلّ ومؤتمنًا على الكلّ لأنه يحملُ الكلّ.
3. وبما أنّنا أمام نصٍّ ديني رسميٍّ صادرٍ عن أعلى مرجعيّةٍ في الكنيسةِ الكاثوليكيّة، لا بدّ لي أولاً من تحديد طريقة التعاطي معه، قراءةً ومناقشةً واستنتاجًا وتطبيقًا، حرصًا ألّا يضيعَ في سلسلة تجاذباتٍ تفسيريّة أو إنتظاراتٍ قد يكون النصُّ غريبًا عنها، فيفقِدُ بالتالي طابعَه الروحي والإنساني الجامع. إذا كان كلّ نصّ دينيّ متجذرًا في واقع زمني ومكاني معيّن، فلا يجوزُ استدراجُهُ إلى هذا الواقع بهدف استعماله لتبرير أو دحض ظاهرة اجتماعيّة أو سياسيّة طارئة. من أهداف النصِّ الدينيّ كالذي نجتمع حوله اليوم، هو أن يوقظ أولاً وآخرًا في قلوب المسيحيين المُتَأصِّلينَ في هذه الأرض "ذاكرةَ البدايات"، بدايات إيمانهم بالسيّد المسيح الذي أرسى منذُ ألفي سنة نهجًا روحيًّا جديدًا للبلوغ بالإنسان إلى استعادة الشركة المضطرِبة أو المقطوعة مع الله الآب، خالق الجميع، وبينَ الإنسانِ وأخيهِ الإنسان وكلاهُما مخلوقانِ على صورة اللهِ ومِثالِه. فاللهُ والإنسانُ في المنظومة الإيمانيّة المسيحيّة أيقونةٌ واحدةٌ ذاتُ وَجهيْنِ متقابِلَيْن، بحيث لا يمكنك أن تعبُدَ اللهَ الخالق وأنتَ تنتهكُ حقوقَ الإنسان الذي خَلَقَهُ على صورتِه ومثالِه، ولا أن تُلازِمَ الإنسانَ وأنتَ تُقصي اللهَ الخالِق عن دائرةِ خليقتِهِ، وكأنَّكَ الآمِرُ الناهي من دونِ رقيبٍ أو حسيب.
4. في هذا السياق، لا يبلغُ هذا النصُّ الدينيّ مبتغاهُ إلاّ إذا قام المسيحيّون المشرِقيُّون، بالتَعاوُنِ مع شُرَكائهِم في المُواطَنَةِ المُؤمنينَ بالإلهِ الواحِدِ الخالِق، بقراءةٍ روحيّةٍ نقديّة لواقِعهم الإنساني، تحت نظر الربّ، بدون أي مساومة على الحقيقة، وذلك وفق قياسٍ أو نظامٍ قيميّ جامع ومُطلَق يتجاوزُ حدودَ الزمانِ والمكان والظرف القائم، لأن أساس هذا القياس أو النظام يستقرّ في حقيقة الإيمان بالإله الواحد، خالق الجميع. ولا تُؤتي هذه القراءةُ ثمارها المرجوّة ما لم تقترن بحالةٍ من التوبَة الداخليّة، تَوبَةِ القلب، التي هي المدخلُ الأساس إلى تغيير في الذهنيّات والقبول بمراجعة للذات الفردية والجماعيّة، كمرحَلَةٍ لا بُدَّ منها للعمَلِ معًا. في نظَري، هذا هو الهدف الأوّل والأخير من نصّ الإرشاد الرسولي الذي نلتقي اليوم حوله. فالكنيسة التي أسّسها السيّد المسيح ليست تجمُّعًا سياسيًّا أو منتدى ثقافيًّا أو إقتصاديًّا بقدر ما هي مجموعة المؤمنين الذين ارتَضَوا أن يتبعوا نهجَ يسوعَ الناصريّ، هو الذي وضعَ نُصرَةَ الإنسان في صميم رسالته على مدى الأجيال، هذا الإنسان العربيّ الذي تُنتَهَكُ كرامَتُه كلَّ يومٍ وبِطُرُقٍ شَتّى وفي كلِّ الأديانِ والمُجتَمَعات.
الكرامة الإنسانيّة بين وحدانيّة الله ووحدة البشريّة
5. بعد قراءَة مُتأنّية لنصّ الإرشاد الرسولي: "الكنيسة في الشرق الأوسط، شركة وشهادة"، لا أخالُني أُبالغ إذا قلتُ إنَّ نصرة الكرامة الإنسانيّة هي الفكرة السائدة التي في ضوئها يمكنُ قراءَةُ نصِّ الإرشادِ كاملاً، في أقسامه الثلاثة، بالإضافة إلى المقدّمة والخاتمة. ويؤكّدُ النصُّ في مواضع مختلفة أنّ نصرة تلك الكرامة ليست حكرًا على المسيحيّين دون سواهم، بل هي عامل وحدة بين أبناء الديانات التوحيديّة الثلاث الذين يُكَوِّنونَ منذُ البدايات النسيجَ البَشَرِيَّ في هذه المنطقة. ويعود السببُ في ذلك إلى حقيقة بسيطة وجوهريّة في آنٍ واحِد لا تقبل الجدل قِوامُها أنّ اليهودَ والمسيحيّين والمسلمين يؤمنون بإله واحدٍ خالقَ الجميع، وإن اتّخذَ هذا الإيمان أشكالاً وتعابير مختلفة عبر التاريخ، أسهمت إلى حدٍّ كبير في بلبلة العيش المشترك بينهم وإضعافِ الشهادة للقيم الدينيّة والإنسانيّة المشتركة في المساحة العامة (إرشاد عدد19، 25، 33-34، 43، 56، 60، 63، 90). فعلى وحدانيّةِ الله الخالق تُبنى وحدة البشريّة التي تضمُّ الناسَ أجمعين، بِقَطعِ النَظَر عن اختِلافِهم في العِرقِ واللُّغَةِ والثَقافةِ والجِنسِ والدِّين. ولا تتحقَّقُ وحدَةُ البشريّةِ تِلك إلاّ على مفهومٍ مُتَجدّد لكرامة الشخص البشري التي تستمدّ قوّتها وديمومتها من إيماننا المشترك بوحدانيّة الله الخالق. والكرامة الإنسانيّة تلك هي المَصدَرُ الأساس الذي تتحَدَّرُ منهُ كلُّ الحُقوق والواجِبات التي يُنادي بها المؤمنون جميعًا وأصحاب الإرادة الصالحة، وفي مُقَدِّمتِها الحرية الدينيّة التي يعتبرها قداسة البابا "رأسَ كُلِّ الحُريَّات" (إرشاد عدد 26).
6. وللتأكيد على الأساس الإلهي لكرامةِ الشخصِ البشري، يطيبُ لي أن أتلُوَ عليكم مقطعًا من نشيد سريانيٍّ قديم فيه وصفٌ رائعٌ وموجز لصنع "آدم الجميل"، قِمّة المخلوقات. يقول النشيد: "أخذ ربّنا بيده تُرابًا من أطرافِ الأرض الأربعة، فجبَلَ آدم، صورته ومثاله". فالإنسان، كلّ إنسان، وَفْقَ المعنى الرمزي لهذا النشيد هو كونٌ مُصغَّر (microcosme). علّنا نَرْقى في علاقاتِنا المتبادلة إلى هذا المستوى من الوعي الروحي للبعد الكوني أو الشمولي لإنسانيّتنا، من خلاله نَعي أنّ نُصْرَةَ كرامة الشخص البشري، إلى أيّ عرق أو بلد أو دين انتمى، هي عاملُ وحدةٍ بين الناسِ أجمعين. بالإستنادِ إلى ذلك، يمكنُنا أن نَقْدُرَ حَقَّ قَدْرِها النبرة النَبَوِيّة المُتَطلِّبَة في كلام قداسة البابا حينَ يَعْرِضُ لانتهاكاتِ حقوقِ العُمَّالِ الأجانِب الوافدينَ إلى بلدانِ الشرقِ الأوسط من دُوَل أسيويّة وإفريقيّة (إرشاد عدد 33-34).
7. ولكي تكون كرامة الشخص البشريّ عاملَ وحدة بينَ أبناءِ هذه المنطقة والوافِدينَ إليها، لا بُدَّ من صِيانَتِها وتَحصينِها على كلِّ المُستَوَيات. فيتمرَّس المسيحيُّون والمُسلِمون في البُيوت والمدارِس والجامعات وفي القطاعات العامّة والخاصّة على أن ينتَفِضوا معًا على كلِّ تمييز ينال من كرامةِ الشَّخصِ البَشَريّ، وهذا التمييز هو مِن نِتاجِ الشرِّ المُتربِّص فينا. ومأساةُ هذه الكرامة هي أنَّها تختَبِئُ وراءَ تصوُّراتنا الدينيّة والمُجتمَعيَّة والثقافيَّة والسياسيّة المُلتَوِيَة أحيانًا، وقد تخنقُها تلك التصوُّرات إذا لم نُسارِع إلى الكَشفِ عنها بموضوعيَّةٍ وصدقٍ وجُرأةٍ نبويَّة، وتنقيتها من الشوائِب التي عَلِقَت بها وتصويبها لنعودَ بها إلى الأصل كما أرادها الله، خالق الجميع.
8. في ختام هذه المُداخَلَة، أرجو من القِوى السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيَّة والدينيّة والعامِلِينَ في المجتمع المدني أن يُضافروا جهودهم لنُصرَة كرامة الشخص البشَري، تشريعًا وتنفيذًا للقوانين، في سبيل تغيير البنى والذهنيّات الدينيّة والمُجتمعيّة المُلتويَة التي في ظِلالِها وعلى مُنعطَفاتِها تُنتَهَكُ تِلكَ الكرامة، ولا من نصير.
9. علَّنا نجدُ في نَصِّ الإرشاد الرسولي: "الكنيسة في الشرق الأوسط، شركة وشهادة"، خارطةَ طريق بها نستنيرُ لنُرمِّمَ آدميَّتَنا المجروحَة، يجمع بيننا همٌّ مُشتَرَك وهو ألاّ نعيشَ الدِّين كمأساة أو كفَشَل، بل كرِسالة جهاد وتحرُّر من الشرّ والأنانيّة نكتشف من خلالها جمال الكرامة الإنسانيّة ونبلها، في سبيل توطيد مجتمعات عربيّة تقومُ على الحريّة والمساواة والسلام العادل.