تتفرّد حكومة السلاح، من بين كل الحكومات التي مرّت في لبنان، في اعتمادها مناورات مستمرة لحفظ "خط الرجعة" بعد سقوط النظام السوري وبالتالي بعد سقوطها. جلّ ما تريده هو الاستمرار في السلطة للإبقاء على سلاحها مصلتاً فوق رؤوس اللبنانيين. الكل فقد الأمل من أي شكل لحكومة يشارك فيها السلاح.. هذا ما عبّر عنه النائب بطرس حرب في مقابلته الأخيرة منذ يومين.
فالحكومة ناورت في المرحلة الأولى بعد اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن لتشكيل حكومة تحت إشرافها لترثها، بعدما تبيّن أن رئيسها لم يقدّم استقالته لرئيس الجمهورية كما صرّح.. ولمّا لم يلق نداؤها المفخخ أي نتيجة، انتقل "حملة السلاح" الى المناورة بطريقة مغايرة تضمن لحزب السلاح إطالة عمر سلاحه وسط تحرّر الدول من ديكتاتورية الحكام وسيطرة الحزب الواحد.
استراتيجية جديدة لا تحترم، كما الأولى، الدستور اللبناني. فلا مانع لدى حكومة السلاح من اقتراح الأفكار التي تقتنص من حقوق رئيس الجمهورية وتقلل من دور رئيس الحكومة الجديد وتحوّل معها الاستشارات النيابية الى واجب صُوَري، المهمّ أن يبقى السلاح "عَ الرفّ".. بيدو أن "عراب" هذه الحكومة نسي انقلابه على حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها الرئيس سعد الحريري، وبالتالي نسي أنه وجّه سلاحه الى الداخل اللبناني وانتشرت قمصانه السود في كل بيروت. ألا يحقّ هنا للبنانيين أن يخافوا من حكومة وحدة وطنية يهدد طرفها المسلّح رفاقه في الوطن بسلاحه ويستقوي به؟
تجاوزت حكومة السلاح كل حدود وتخطت كل بنود الدستور في اقتراحاتها المتناقضة، فهي تنقلب على حكومة الوحدة الوطنية حين لا تتلاءم مع خطها المسلّح وتطالب بتشكيلها حين يتناسب ذلك مع مصالحها. كل اقترحات حكومة ميقاتي لا تتلاقى مع ما تطالب به قوى 14 آذار، وهو أن تستقيل وتُشكل حكومة حيادية بعد استشارات رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، حيث أنه وبعد حكومة الوحدة الوطنية لا يعود من داعٍ للحديث في نزع السلاح غير الشرعي.. كأنها سياسة نكايات تلك التي تعتمدها الحكومة الميقاتية، وآخر "خرطوشة" فيها حكومة "الوحدة الوطنية".
حكومة نجيب ميقاتي تريد حكومة "وحدة وطنية" وفي الوقت عينه غير متّحدة أو متوحّدة، فحلفاؤه ومن أتوا به الى الحكم يريدون حكومة وحدة يميل ميزانها الى طرف السلاح، غير دستورية حيث يشرفون بأنفسهم على ما سيقوم به رئيس الجمهورية ويقفون حاجزاً بينه وبين الاستشارات.. أو أنهم يطالبون بحكومة وطنية لأنهم يعشقون الانقلابات ولتجربة أسلحتهم الجديدة في حروبهم الداخلية أو الخارجية. حكومة ميقاتي تريد أن توصل الى اللبنانيين فكرة واحدة وهي "من بعد حكومتنا ما ينبت حشيش".
يشرح الوزير السابق ادمون رزق حيثيات حكومة "الوحدة الوطنية" من خلال دستور الطائف قائلاً "سُميّ اتفاق الطائف وثيقة الوفاق الوطني لأن التركيز كان ولا يزال على الوفاق أي على الوحدة الوطنية، وقد تضمّنت الوثيقة مرتكزات الوفاق أي صيغة العيش المشترك والهوية والإنتماء والتزام مواثيق الجامعة العربية والأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
ويضيف رزق "كانت المناصفة إطار العيش المشترك مع التطلّع نحو تخطّي الحالة الطائفية في شكل عام، ولا نعني هنا الطائفية السياسية إنما الطائفية في المادة 95 وهذا وضعته أنا شخصياً، سواء في الوثيقة أم في الدستور"، ويتابع "اعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة من دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة". وشدد رزق على أنه "من المستحيل إجراء مقاربة لما يسمّى بالوحدة الوطنية من دون المرور بالوفاق الوطني ولا إمكانية للحديث عن هذا الوفاق إلا بعد الإطلاع على مرتكزاته". ويضيف "تأكيد حرية النظام وبسط سيادة الدولة بقواها الذاتية على كل الأرض اللبنانية، أي أنه اليوم لا يمكن إجراء مقاربة لموضوع الوحدة الوطنية بمعزل عن المبادئ الأساسية لهذه الوحدة الوطنية، أي أن المسألة ليست سياسية إنما مسيّسة وكونها كذلك يخرجها من إطار المبدئي".
ولفت رزق الى أنه "لا يمكننا القول إن المسألة أن تضم الحكومة المعارضة والموالاة، إنما من الضروري أن يتم التلاقي حول مبادئ معيّنة وبرنامج مشترك"، ووصف الحكومة التي تألفت بعد الدوحة بأنها "كانت حكومة أمر واقع ناتج عن تسوية مرحلية لأنه لم يكن هناك برنامج موحّد لهذه الحكومة، وكانت الأخيرة أطرافاً متواجهة والدليل أن المتاريس كانت داخل مجلس الوزراء وكان الحصار مضروباً من قبل أفرقاء في الحكومة على السرايا".
ويوضح رزق "لم تكن تلك صيغة وحدة وطنية وإنما كانت نوعاً من المحاصصة، لذا فقد أعطوا 3 وزراء لرئيس الجمهورية وهذا مخالف لاتفاق الطائف وللنظام الديموقراطي الحرّ". وشدد على أن "المطلوب اليوم أن لا نعود الى صيغة تجميعية لأطراف متضاربة ومتناقضة و"نحشرهم" في موقع واحد لأن هذا سيؤدي حتماً الى التعطيل"، لافتاً الى أن "المطلوب اليوم مرحلة انتقالية قبل إجراء الانتخابات النيابية لكي تحيط بها الأجواء "النظيفة" وتسفر عن إنتاج مجلس نيابي والسلطة التنفيذية وانتخاب رئيس جهورية في الموعد الدستوري".
وتناول رزق المرحلة الانتقالية قائلاً إنه "لا يمكن تصوّرها إلا من خلال ما تمّ عليه الإجماع في إعلان بعبدا وهذا منطلق أو مرتكز لمهمّة الحكومة التي يجب أن تتألف من اختصاصيين مؤهلين لإدارة البلد بجدية توطّد ثقة الناس لأن الشعب فقد الثقة ويشعر بالخوف ويتملّكه شعور بالقلق ناتج عن نوعية السلطة القائمة وعدم قيام المجلس النيابي بدور الرقابة والمحاسبة والتشريع".
وخلُص رزق الى أنه اليوم "ليس هناك ما يسمّى بحكومة من فئة واحدة، لأن تركيب الأكثرية كان نتيجة خلل في الممارسة الديموقراطية"، متسائلاً "ألم يؤخروا الاستشارات لكي يأتي وليد جنيلاط (رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي) مع كتلته لتغيير تموضع الأكثرية؟" وأوضح أنه "لا يمكن إصلاح الخلل من خلال القول "جيبوا من هون وجيبو من هون" فهذا يؤدي الى الأسوأ، لذلك يجب أن تكون الصورة كما تطالب قوى 14 آذار في بيانها حيث تريد هذه القوى حكومة حيادية من أشخاص يتمتعون بالثقة والمصداقية والأهلية، والمنطلق هو إعلان بعبدا أي النقاط الجامعة التي توافق عليها المتحاورون على طاولة الحوار".
وختم رزق مشدداً على أن "دور رئيس الجمهورية حاسم في الموضوع، وصلاحياته كافية لكي يأخذ المبادرة، وعند الاقتضاء يعلن هذه المبادرة برسالة الى الشعب اللبناني يوجهها من على منبر المجلس النيابي وفقاً للمادة 52 من الدستور"، وأكد "دوره حاسم "بدو يقول أنو الحالة مش ماشية"، وما يتحججون به بأن الحكومة تضمن الاستقرار يدمّر البلد ويعيد الروح الفئوية كما حدث مع تعيين أعضاء هيئة إدارة البترول".
واعتبر عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار الحوري أن "ما يطرحه الفريق الآخر هو اعتداء على الدستور واعتداء على صلاحيات رئيس الجمهورية واعتداء على صلاحيات الكتل النيابية واعتداء على صلاحيات رئيس الحكومة المكلّف العتيد". ويوضح "هم يعطون لأنفسهم حقّ الفيتو لمنع تشكيل حكومة جديدة من خلال ادّعائهم أنه لا بدّ من مشاوراتهم قبل تشكيل حكومة جديدة، وهم يضعون حق الفيتو ويضعون شروطاً تمنع استقالة هذه الحكومة".
ورأى الحوري أنه "إذا كان هذا هو العنوان المطلوب بالتشاور قبل تشكيل حكومة جديدة فلماذا لم يذهبوا الى التشاور قبل أن يستقيل 11 وزيراً من حكومة الرئيس سعد الحريري وهي حكومة الوحدة الوطنية، حينها لم يذهبوا الى استشارات بل الى استقالة مباشرة".
وشدد الحوري على "أننا نتحدث عن حكومة حيادية لا حكومة وحدة وطنية أي أنها لن تضمّ قوى من 8 أو 14 آذار"، ولفت الى أن "لبنان يزخر بالشخصيات الحيادية وليس المقصود هنا أن تكون حكومة لا لون ولا طعم ولا رائحة لها، بل يجب أن لا تدخل ضمن الانقسام السياسي الحاصل بين 8 و14، وهناك العديد من الشخصيات في مؤسسات المجتمع المدني المؤهلة لتقوم بهذا الدور خصوصاً وأن هذا الدور محدد بمرحلة انتقالية للتحضير للانتخابات النيابية المقبلة، للإشراف على هذه الانتخابات".
وختم الحوري "كل كلام الفريق الآخر مردود وكل كلامه يعبّر عن رغبة في الاستئثار بمقدرات البلد وهذا ما لن نقبل به".