#adsense

8 آذار تعبير عن السقوط الأخلاقي فقط

حجم الخط

"صلاح أمرك للأخلاق مرجعه
فقوم النفس بالأخلاق تستقم
والنفس من خيرها في خير عافية
والنفس من شرها في مرتع وخم"
(أحمد شوقي)

في حوار عاتب مع صديق مشترك بيني وبين سليمان فرنجية، قبيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي ظل حملة وصلت إلى أدنى مستويات السفاهة ضده من قبل أتباع النظام السوري شارك فيها فرنجية بشكل واسع، سألت صديقي عن أسباب كلام فرنجية بالذات على الرغم من كل الخدمات والتكريمات التي تمتع بها في عهد الرئيس الحريري.

بعد أيام قال لي: "إن البيك لا يمكنه إلا أن يهاجم الرئيس الحريري لأنه الآن في موقع المواجهة مع الرئيس الأسد، وخطنا لا توجد فيه أنصاف حلول فإما يكون مع الأسد دون شريك ومستعد لينفذ ما يطلب منه دون نقاش، ولا يكون له أي ارتباطات خارج هذا الخط،أو يكون عدوا! والحريري له امتدادات مشبوهة ومرتبط بمشاريع لا تتناسب مع توجهات الرئيس بشار".

لم أفاتح الرئيس الحريري يومها بهذه المعلومة، فقد اعتبرتها جزءاً من حملة رمي الحجارة على الشجرة المثمرة العتية من قبل بعض الصبيان المارقين.

بالطبع فقد تذكرت هذه القصة بعد الإستشهاد وقلت في نفسي "هل كان تغير شيء لو أطلعته على "أسرار بشار التي أفشاها الصغار". ولكن هل كان هذا سرا لم يكن يعلمه رفيق الحريري؟!
لقد عادت بي الذاكرة إلى تلك الرواية بعدما سمعت "البيك!" يتحدث، متلعثماً كعادته، عن تسويغه لاغتيال الشهيد وسام الحسن، وما فهمته هو أن منطق الخط الأسدي يعتبر أن كل معارض له يصبح مشروع شهيد، يعني أن "حوار" بشار، ومن قبله حافظ، مع المعارضين هو بقتلهم ومن بعدها تحل كل الإشكالات لأن من عارض مات، وأصبح عبرة لغيره ممن قد تسول له نفسه بالمعارضة.

من هنا يبرز منطق السقوط الأخلاقي الذي ينتهجه "خط" أتباع بشار في لبنان وحلفاؤه من أتباع ولاية الفقيه. يتحدثون اليوم عن نقطتين مكررتين الأولى هي أن اتهام منظومة الممانعة بالقتل المتسلسل، على الأقل منذ محاولة اغتيال مروان حمادة، هو اتهام استغل سياسياً دون قرائن! ولو راجعنا سوابق هذه المنظومة في لبنان منذ اغتيال كمال جنبلاط مروراً بسلسلة من الإغتيالات العديدة التي طالت العشرات من رجال دولة وصحافة ودين ومناضلين شيوعيين وقوميين ووطنيين، لشاهدنا بوضوح بصمات هذه المنظومة على مسارح الجريمة بشكل لا يمكن أن يتجاهله إلا الأعمى أو المستفيد أو المتواطئ.

لذلك، فإن مجرد انكار حق أهل الضحايا توجيه أصابع الإتهام إلى المتهم المنطقي هو جزء من عملية نفاق يدعي الحياد هدفه الأساسي تجهيل الفاعل رغم أنه معروف أصلاً. أما المنطق المثير للغثيان فهو المقولة "التنخوية" التي تقول إن عدم اتهام العدو الإسرائيلي هو "افتئات بحق الشهداء"، و"تبرئة مجانية للعدو الذي يسعى دائماً إلى الفتنة". وهذه المقولة الماكرة تهدف إلى إحراج من يتهم منظومة الممانعة بالجرائم، فإن قلت إن إسرائيل لم تغتل فلاناً فهذا يعني أن فلاناً لم يكن عدواً لإسرائيل، يعني صديقاً لإسرائيل، يعني عدواً للأمة يجب استئصاله فيصبح دمه حلالاً.

أو أن من يتهم نظام الممانعة فهو يبرئ إسرائيل، يعني يعتبر أن دولة العدو لا تسعى إلى الفتنة وليست خبيثة، يعني بالتالي أن التصالح معها أمر ممكن، وبالتالي فمن يتهم منظومة الممانعة يخدم تلقائياً إسرائيل، فيصبح عميلاً حتى وإن لم يكن يعلم، ويتحول الى مسطول أو أبله إن لم يعلم أو إلى عميل إن علم.

لعبة أساسها حلقة مفرغة من الفرضيات السخيفة والإستنتاجات الركيكة التي لا هدف لها إلا استغباء الناس ورميهم في الحيرة لا لسبب إلا إخفاء معالم الجريمة وحماية المجرم الحقيقي.
أما النقطة الثانية المتعلقة بدفاع منظومة الممانعة عن بشار الأسد منذ اندلاع الثورة، فعدا تكرار قضية حماية المقاومة ومنظومة الممانعة وبالتالي اتهام الشعب السوري الثائر اليوم بأنه يخدم مصالح إسرائيل، يقول بعض الفلاسفة الممانعين إن مطالب المعارضة محقة، ولكن بشار عرض الحوار فرفضته المعارضة، مما يعني أنها هي المسؤولة عن قصف المدن والقرى السورية بطائرات الميغ التي اشتراها الشعب السوري لقتل نفسه؟!

ولكن لنعد إلى الوقائع فما كانت نتيجة حوار حافظ الأسد مع المعارضة أثناء حكمه؟ ألم يحل المشاكل بدفن المعترضين تحت الركام أو بقتلهم أو سجنهم أو اذلالهم على مدى سنة، ألم يفتتح الحوار بشار الأسد بسجن وتعذيب المعترضين ومن ثم فتح أبواب جهنم عليهم، وحتى إنه لم يتحمل بعض الأصوات الطوباوية التي رفضت اللجوء إلى العنف ولكنها رفعت صوتها بوضوح مطالبة بالحرية والديموقرطية ومحاربة الفساد فذهبت مباشرة إلى السجن؟
إن حديث هؤلاء الممانعين هو أدنى مستويات النفاق بل إنه أكثر من ذلك يعبر عن مستوى السقوط الأخلاقي الذي وصلوا إليه قيادة وجمهوراً.

لذلك لا صحة اليوم لموقف يريد أن يساوي الجلاد بالضحية والقاتل بالقتيل والظالم بالمظلوم فالمسألة مسألة إما التزام بالحد الأدنى من الأخلاق أو السقوط الأخلاقي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل