بشار تحت الحصار
إذا انكسر حاجز الخوف عند الشعب يُبدِع المستبد في اتحاف التاريخ بضروب البلاهة وإضاعة الفرص
المستبدون اذكياء في تسلق سلالم السلطة، ولكن إذا انكسر حاجز الخوف عند الشعب، يُبدِع المستبد في اتحاف التاريخ بضروب البلاهة وإضاعة الفرص. التاريخ لئيم مع المستبد. يحب أن لا ينتهي المستبد إلا غبياً. ويلتذ التاريخ في دفع المُكابرين على شعوبهم، الى مواقف وضيعة. اخترع الغرب شيئا اسمه الاستقالة. يستقيل المسؤول فيحظى بتقدير أخلاقي رغم تقصيره او إدانته. الغرب على مسافة نصف ساعة طيران، ولكن فكرة الاستقالة عند الحكام العرب، على مسافة نصف الفٍ من السنين.
لا أحبُّ ان أُصدِّقَ ان بشار الاسد لا يتمزق نفسياً وهو يرى وهج الدم المسفوك. ولكن عندما تتمتع بقدرة تحمّل وطأة الدم، فهذا يعني ان الشجاعة لا تنقصك لتُقدِمَ على الاستقالة. عندما وصَفَتْ مراجعُ دولية بشار الاسد بالرئيس الذي انفصل عن الواقع، استغربتُ أن تقعَ المراجعُ الدولية في خطأ كهذا. وضعتُ العبارةَ في خانة علم النفس وفسّرتُها فأخطأتُ التفسير. بعد أن قرأتُ ما قاله لقناة "روسيا اليوم"، فهمتُ التوصيف الدولي لمعنى الانفصال عن الواقع. قال الاسد: "اذا انتهى امري، انتهت العلمانية في المنطقة، ووقعت كارثة عالمية تُصيب بأضرارها ما بعد الاطلسي والهادي"! مَنْ مِنَ الزعماء المخلوعين، لم يكن يعتبر نظامه علمانياً؟ وقال الاسد: "كل العالم ضدي" (استعمل ياء المخاطب). من بين كل العالم صودف ان شعب سوريا معه، رغم ان هذا الشعب خَبِرَ مآثر نظامه اربعين سنةَ. كانت اربعين سنة من الحرية والرخاء. كل العالم محتشد في أزقة حلب ودرعا وحمص ليحارب الاسد، أما الشعب السوري فهاجر الى بلاد اخرى في انتظار استتباب الاوضاع. لم يصدق القذافي ان الشعب وقف ضده. وبشار على خطى القذافي لا يجد مواطنا صالحا في الشارع، كلهم ارهابيون او مأجورون من قطر والسعودية. في لحظة الانحدار السريع تتضخم "أنا" المستبد بدلاً من ان تنزل الى ارض التعقل والمنطق.
يتوهم الحاكم العربي حرباً كونية ليبرر هزيمته على يد صبية كتبوا شعارات على جدار في درعا. سألته مراسلة "روسيا اليوم": "لو كان اليوم هو ١٥ آذار، (حين اندلعت الشرارة في درعا)، ما هي الأشياء التي كنت ستفعلها في شكل مختلف؟". أجاب الرئيس والطبيب: "كنت سأفعل ما فعلته في الخامس عشر من آذار"! كاتب هذه السطور يعيد النظر في ما يكتب مرات ومرات، ويندم أحيانا على حرف ساقط او زائد. ورئيسُ شعبٍ يُقتل، ودولةٍ تُهدم، لو عاد الزمن الى الوراء، لعاد وقتل صبية درعا الذين كتبوا شعارات على الجدران! نعم هؤلاء الصبية حشدوا العالم ضده. كلهم هوَّلوا بحروب عالمية، وكلهم سقطوا، أو قتلوا ولم يحصل شيء، الا مزيد من التوق الى الحرية. أما الفوضى التي تعيشها تلك الدول فسببها أن المستبد، وإن قُتل، لا يلفظُ انفاسَه إلا بعد عشر سنين أحياناً.
