#adsense

مدرسة «الألف سبب وسبب»: التنكيل بالشهداء أحياء وأموات

حجم الخط

من محاولة اغتيال مروان حمادة حتى اغتيال اللواء وسام الحسن، ثماني سنوات من الجريمة السياسية المنظمة، التي لم تقتصر على إعداد السيارات المفخخة. العبوات السياسية والإعلامية التي سبقت كل اغتيال ورافقته وأعقبته، بَدت وكأنها قد صنعت في المرآب ذاته الذي انطلقت منه سيارات الموت.

مروان حمادة اتُهم قبل محاولة اغتياله بأنه شارك في صنع القرار 1559، لا بل كتبه بخط يده. بعد نجاته من الاغتيال، اتُهم بأنه زوّد إسرائيل خلال حرب 2006، من خلال وزارة الاتصالات، داتا اتصالات قادة "حزب الله". في كل هذه الرحلة قبل محاولة الاغتيال وبعدها، كانت العبوات التي جهّزت لتَلِي الاغتيال معدّة مع العبوة الأصلية.

قبل اغتيال رفيق الحريري اتهم بأنه يُعدّ لانقلاب في سوريا، كما اتهم بأنه نَسّق مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك لإخراج جيش النظام السوري من لبنان. بعد الاغتيال بَدا أنّ العبوة التي فجّرت عبر فيلم "أبو عدس" كانت توازي عبوة الـ1800 كلغ من المتفجرات. لم تكن عبوة "أبو عدس" الأخيرة، فقد استتبعت بمؤتمرات صحافية وأشرطة مصوّرة عن مراقبة إسرائيلية للحريري، كما استتبعت بعبوات متخصصة بنسَف مصداقية التحقيق الدولي، مرة عبر كتّاب أجانب مَدفوعي الأجر ومعروفة ارتباطاتهم واتجاهاتهم، ومرّات عبر وسائل إعلام لبنانية تخصصت بوظيفة تضليل التحقيق وعمل المحكمة.

قبل اغتيال جبران تويني أُلبِس لباس حاخام إسرائيلي، ثم أرسلت بعد اغتياله للنهار رسالة تَشَفّ لم يكن ينقصها إلّا التوقيع، ومَنعت "حكمة" "حزب الله" توثيق احتفالات توزيع الحلوى احتفاء بنجاح الاغتيال. ذلك كله لم يمنع الوافد الجديد (حينها) إلى المحور السوري الإيراني العماد ميشال عون، من أن يقول إن لديه ألف سبب وسبب لاتهام النظام السوري باغتيال جبران تويني، عبوة مهداة للشهيد، عاد واستعارها النائب سليمان فرنجية، بالأسلوب نفسه، تحيّة لروح وسام الحسن. محاولة اغتيال الياس المر، الواضحة البصمات، لا حاجة إلى الإجتهاد فيها, وقد أصبحت في عهدة المحكمة الدولية.

سمير قصير ومي شدياق طاولتهما العبوات بعد الاستهداف. جورج حاوي قتلته صفقة تجارة خشب فاشلة. بيار الجميّل اغتالته "القوات اللبنانية". وليد عيدو وحده الذي نال من الشهداء شرف كشف سرّ العبوات الرديفة للاغتيال، خَصّته اعلاميّة، بما استطاع هذا المحور أن يحجبه من دون أن يخفيه. لقد عبّرت بصدق عن شعور صادق قائلة: "عَقبال الباقيين". تريد أن "تكمِّل عَ اللي بقيو".

إذا ما قورنت مواكبة القوى اللبنانية المنضوية في المحور السوري – الإيراني، لكلّ عملية اغتيال، أمكن التحَقّق من جود نمط واحد في التعامل مع هذه الجرائم المتواصلة. البداية تكون بنسبها إلى مؤامرة، لا خيوط أولية تكفي للانطلاق ببحث جدي عن مضمونها. متابعة التضليل تتمثل في اختراع واجهة إسلامية ورَمي بيانات في وسائل الإعلام عنها. إسرائيل دائماً هي المتهمة غبّ الطلب، لسبب أساسي وهو أن أيّ محاولة نقاش في صحة هذا الاتهام ، يسهل رَميها باتهام الدفاع عن إسرائيل، بغضّ النظر عن وجود أساس منطقي للاتهام أو عدمه، كما في اغتيال الحريري.

أما الآلية الثابتة في التعامل مع كلّ اغتيال، فتكمن في تعطيل مسار التحقيق، إذا ما حقّق اختراقاً. الأمثلة هنا لا تحتاج إلى دليل، وأبرزها اغتيال الرائد وسام عيد، ومحاولة اغتيال العقيد سمير شحادة.

تِبعاً لكلّ ذلك، كانت تصريحات رموز الممانعة بعد اغتيال الحسن متوقعة. لم تكن العبوة المعدة قبل الاغتيال، والمتمثلة بترويج مقتل الحسن في سوريا، ونقل جثته إلى لبنان وترتيب انفجار الأشرفية لملمة فضيحة وجوده داخل سوريا، لم تكن مستغربة. لقد أعدّت عبوات أكثر فتكاً، للتنكيل بالشهداء قبل استشهادهم وبعده.

لكن هذه المرة ارتفع منسوب الصراحة والشفافية، فزال الخجل، وأصبح الشهيد هدفاً مشروعاً للنظام السوري. لقد طوّرت مدرسة "الألف سبب وسبب" عملها، منذ اغتيال جبران تويني حتى اغتيال وسام الحسن، بشكل نوعي. العماد عون الذي كان لديه ألف سبب وسبب بضلوع الممانعة في اغتيال تويني، أصبح لديه ألف سبب وسبب للجزم بأنّ الحسن مسؤول عن اغتيال نفسه. ويبقى السؤال: هل سيحتاج أيّ عاقل، لألف سبب وسبب، ليتأكد من أنّ هذه المدرسة كُلّفَت بالتنكيل بالشهداء، أحياء وأموات؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل