منذ انتسابه الى "الكتائب اللبنانية" ولاحقاً "القوات اللبنانية"، كان هدفه مع رفاقه وما زال، بناء لبنان سَيّد حُرّ ومستقل، وطنٌ ينعمُ بالأمن والاستقرار، يعيشُ ابناؤه برخاءٍ وراحةِ بال. هذا ما كان يدفع الشباب المقاومين للإستبسال في المعارك والإستشهاد على الجبهات. أما الحكيم، فكان دائماً على الخطوط الأمامية يدير المعارك ويقاتل جنباً الى جنب مع رفاقه، من بلا وقنات الى الجبل وشرق صيدا والإلغاء وما بينهم. ولعل آثار الشظايا والرصاص على جسده والإعاقة في يده اليُمنى خيرُ دليلٍ على ذلك، إضافة الى مئات الشهادات والروايات المُوَثَّقة في الكتب التي صَدَرَت خلال الحرب وبَعدها.
في شباط 1989 ، وبَعد عَودَته من الخارج إثرَ اندلاعِ اولى المعارك بين ميليشيا عون آنذاك و"القوات اللبنانية"، اتصل الحكيم بعون وطلب الاجتماع به لِلَملمة الوضع وإعادة الأمور الى طبيعتها. حُدّدَ الموعد وأبلغهُ عون أنّ مجموعةً من المكافحة سوفَ تكون بانتظار موكَبِهِ عندَ مَحَلّة جسر الباشا – المكلس لتوصِلهُ الى القصر الجمهوري منعاً لأي خطأ يُمكن أن يَحصل على الطريق. عند وصول الموكب الى جسر الباشا، بدأت مجموعات تابعة لعون بإطلاق النار وبغزارة ومن كافة الأعيِرة على سيارات الموكب والتي كان من ضُمنِها السيارة المصفحة التي كان يَستقلّها الحكيم. عند نزول المسؤول عن الموكب، النقيب سمير وديع والذي كان يَجلس بجانب الحكيم، ليَتكلّم مع المسؤول هناك، ولحظةَ خُروجهِ من بابِ السيارة، أَطلقَ قنّاصٌ رصاصةً واحدةً أصابتهُ في عُنُقِهِ من الأمام، ما أدّى الى سقوطِهِ على الأرض واستشهادِهِ على الفور وتَوَقُف الرصاص فجأةً، كأنّ هذه الرصاصة كانت الإشارة الى إنتهاءِ العملية. لحظات قليلة، وصلت مجموعة المكافحة التي كان من المفترض أن تكون في الموقع تنتظر وصول موكب الحكيم. وبالرغم من سقوط شهيد الى جانبه وأنين بعض الرفاق المصابين، وبالرُغمِ من أنّها عملية إغتيال واضحة ومن دون أدنى شكّ، أكملَ الحكيم طريقهُ واجتمعَ بعون وأنتهى ما عُرِفَ وقتها بمعركة 14 شباط.
بالكاد سمع أحد عن ميشال عون قبل تعيينه قائداً للجيش. فورَ استلامِه منصبه أصدر الأوامر للجيش بعدم السماح لأي عنصرٍ من "القوات" بالدخولِ الى الثُكُناتِ العسكرية وعدم دخول أيّ عُنصر من الجيش الى ثكنات "القوات". كانت ثكنات الجيش و"القوات" قريبة جداً من بعضها وخصوصاً على جبهات المتن الجنوبي حيث كان التنسيقُ بينهما على أكملِ وجه في كلّ ما لهُ علاقةٌ بالمعاركِ والقصفِ وتَبادُل الذخيرة، وحتى السهرات والأوقات التي كانوا يمضونها عند بعضهم البعض، فأصبحوا رفاق سلاح لدرجة انّهُ بالكاد كان يُمكن لأحَدٍ أنّ يُميّز ثكنة الجيش عن ثكنة القوات.
في 15 كانون الثاني سنة 1986 ، وإثرَ الإنتفاضة التي قامَ بها الحكيم على إيلي حبيقة لِعَدَم تَمرير الإتفاق الثلاثي، وبَعدَ تطويق مبنى جهاز الأمن في الكرنتينا، هدّدَ السوريون بِفتح الجبهات في الشمال وبالتزامن هدد ميشال عون بِفتح الجبهات في الداخل إذا اقتُحِمَ المبنى. فكان الحل أن أرسَلَ عون ملّالات الجيش اللبناني وأخرجوا حبيقة ومَن مَعه مِن الكرنتينا الى القصر الجمهوري ومن هناك غادروا الى زحلة. وتبين بعد ذلك من مذكرات حبيقة للصحافي غسان شربل، أنّ عون كان شريكاً أساسياً في الأتفاق الثلاثي ولكنّهُ لم يَتمكّن من تنفيذ الجزء المُتعلّق به وهو الدَعم العسكري لحبيقة للسيطرة على الأرض ومِن بَعدها إحتلال القصر الجُمهوري وتسلُّم عون القيادة.
في 27 أيلول من العامِ نفسه، وإثرَ هجومٍ شَنّهُ حبيقة على الاشرفية من عِدّةِ مَحاور، رفض عون إعطاءَ الأوامر للجيش لِصدّ الهجوم مما اضطَرَ الرئيس الجميل وبِصِفتهِ القائد الأعلى للجيش بالنزول الى وزارة الدفاع وإعطاء الأوامر للجيش بالتصدي للمهاجمين.
يَروي أحد الضُباط من رفاق عون والذي كان تحتَ إمرتهِ، أنّهُ في أحد الأيام كان برفقةِ عون وعددٍ من الضُباط الآخرين في جولةٍ على المراكز العسكرية عندما سَقطت قذيفة قريبة بعض الشيء، فوجدوا عون منبطحاً تحت الطاولة فيما البقية يحاولونَ معرفةَ مكانِ سقوط القذيفة.
أخيراً صرّح جنرال كان رفيقاً لعون، عقب مهزلةِ مُحاولةِ إغتيالِ عون برصاصة طائشة من اشتباكاتٍ في طرابلس قبل 6 أشهُر، أنَّهُ لو كان هناك من محاولة إغتيال حقيقية، لبقي ميشال عون مختبئاً ثلاثة أيام في قبو منزله
أما قِمّةُ الشجاعةِ والإقدام، فتبقى قِصّةُ الهروب المُدَوّي من القصر الجمهوري في 13 تشرين. ومع أنّه يحاول جاهداً كلّ يوم تبريرَ ما حصَل، ولكنّ الحقيقة مرّة ومؤلمة ولا يُمكنُ تبريرها أبداً، خضوضاً أنّ التبريرَ يأتي أفظَعَ وأقسى من الحقيقة. فالحقيقة أنّ من كثرة جبن عون هرَبَ من دونِ أن ينتبهَ أنّ عائلتهُ موجودةٌ مَعهُ في القصر. أما التبريرُ الذي يقدّمه والذي يقول إنّه لم يهرب بل تمّ استدعاؤه وإبقاؤه هناك، فأشرف له ألفَ مَرّةٍ أنّ يكونَ هارباً جباناً من أن يكونَ قائداً للجيش، تمَّ احتجازه من قِبَلِ موظّفٍ في سفارة، موجودةٌ أصلاً ضُمنَ المِنطَقة العسكرية للقصر الجمهوري ووزارة الدفاع، ومحاطةٌ بعشراتِ الآلياتِ العسكرية ومئاتِ العناصرِ التابِعَة له.
الحلقة المقبلة تحت عنوان: " حكيم وجنرال! "قوات" و"تيار"!… في الشرف والتضحية والوفاء"
الحلقة الاولى: "حكيم وجنرال! "قوات" و"تيار"!… في العلم والمعرفة واللياقة"