"الدانمارك دولة تساعد حيث يجب"، رسالة إنسانية حملها وزير خارجية كوبنهاغن فيللي سوفندال الذي زار لبنان بغية الوقوف على أوضاع اللاجئين السوريّين، زيارة سيعقبها تقديم هبة بقيمة 20 مليون دولار لمساعدة دول الجوار لسوريا بهدف تأمين ظروف إيواء مقبولة للنازحين على أبواب فصل شتاء قارس.أمّا الرسائل السياسية فتضمّنت دعم الدانمارك لاستقرار لبنان في وجه العاصفة السورية التي قد تنتهي في سنة وقد تمتدّ إلى سنوات، ولا يمكن تداركها إلا بجلوس أطراف النزاع إلى طاولة حوار، وسط عدم رغبة الاتّحاد الأوروبي في استدراجه إلى أيّ خيار عسكريّ ضدّ سوريا.
لا ينكر وزير الخارجية الدانماركية فيللي سوفندال أنّ وضع اللاجئين السوريين يشكّل "عبئاً ثقيلاً" على لبنان، إلّا أنّه يثمّن موقف اللبنانيين و"كرمهم ولطفهم" في التعامل معهم، ويمتدح في الوقت عينه موقف لبنان "الذكي" من الأزمة السورية.
ويقول سوفندال الذي زار لبنان لاستطلاع أوضاع اللاجئين السوريين، في مقابلة خاصة مع "الجمهورية" بفندق فينيسيا في بيروت:
"توجّهنا أمس الأول الى منطقة البقاع، حيث التقينا مع لاجئين سنّة وشيعة، ولاجئين فلسطينيّين يعيشون في سوريا. لم نناقش معهم القضايا السياسية، بل تركّز حديثنا على الأوضاع الانسانية الصعبة التي مرّوا بها وما ينتظرهم".
ويبدي قلقه من وضع اللاجئين في كلّ من لبنان والأردن وتركيا والعراق، والذين عددهم في ازدياد على أبواب شتاء قارس، "فهم يحتاجون إلى طعام ومأوى وتوفيرالخدمات الصحية والتعليمية، لا سيّما أنّ لبنان يفتقر إلى بنى تحتية جيّدة"، من دون ان يغفل أوضاع اللاجئين داخل سوريا حيث تبرز صعوبة في الوصول اليهم بسبب الوضع الأمني.
ويقول: "إنّ كوبنهاغن من بين أبرز الدول المانحة للمساعدات إلى اللاجئين، ونحن مصمّمون على المضيّ في ذلك، عبر المنظمات غير الحكومية التي تتواصل مع النازحين، وخصوصاً الجهود التي يقوم بها الصندوق الدانماركي للّاجئين، ونحن مستمرّون في المساعدة حيث يجب".
الحكومة اللبنانية
ويمتدح وزير الخارجية الدانماركية نأي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بنفسها عن الحريق السوري. ويشدّد على ضرورة بقاء لبنان بعيداً عن الأزمة السورية، وعدم استدراجه إليها.
ويقول: "موقف لبنان ذكي، ونحن لا نريد أن يكون جزءاً من الأزمة السورية، وأن يستمرّ في مساعدة اللاجئين".
ويكرّر سوفندال موقف الدول الغربية في ضرورة بقاء الحكومة الحالية.
ويقول: "الانتخابات البرلمانية على الأبواب، ولا نريد فراغاً سياسيّاً".
أمّا إذا اتفق اللبنانيون على تشكيل حكومة جديدة، "فنحن قادرون على العمل مع أيّ حكومة يختارها اللبنانيون، وسوف نقدّم لها كلّ الدعم".
ويثني على العلاقات الممتازة بين كوبنهاغن وبيروت، والتي لا تشوبها شائبة، ويحرص على ضرورة الحفاظ على الاستقرار في لبنان في هذه المرحلة الدقيقة.
ويقول: "الأزمة السورية قد تنتهي في سنة وقد تمتد إلى سنوات، لا نعرف الى ايّ متى، إنّها من دون شك أزمة خطيرة وغير سهلة".
وإذ يشيد بتوحيد المعارضة السورية في إطار "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" في الاجتماعات التي استضافتها العاصمة القطرية الاحد الماضي. ويعتبرها "خطوة الى الأمام"، إلّا أنّه يقول:
"لم نقرّر بعد إذا ما كنّا سنعترف بهذا الائتلاف باعتباره الممثل الشرعي للشعب السوري".
تثمين سوفندال لما خرجت به اجتماعات الدوحة، تقابله معارضته الدعوةَ التي أطلقها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لتسليح المعارضة السورية.
ويقول: "استراتيجيتنا لا تتضمّن تسليح المعارضة السورية، جهودنا ترتكز على زيادة الضغوط على النظام السوري من خلال العقوبات".
ويشدّد على أنّه "ليس هناك سوى حلّ سياسيّ للأزمة السورية، نحن نساعد إنسانيّاً، وندعم توثيق ما يُرتكب من جرائم ضدّ الانسانية، تمهيداً لمحاكمة من يقترف هذه الجرائم ومساءلته يوماً ما".
ويؤكّد أنّ الدانمارك تساند المبعوث الأممي المشترك الأخضر الابراهيمي في مهمته كما سبق ودعمت سلفه كوفي أنان، ويطالب بدور مركزي للامم المتحدة في حلّ النزاع المتفرّع في سوريا.
رفض التدخل العسكري
كذلك ينفي إمكان ايّ تدخّل عسكري بريطاني في حال تدهور الوضع الإنساني في سوريا، وفق الآليات التي دعا إليها رئيس أركان الجيش البريطاني الجنرال ديفد ريتشاردز.
ويقول: "الاتحاد الاوروبي ليس في صدد التدخّل العسكري في سوريا. وليس هناك مكان لبحث الخيار العسكري، ولسنا قريبين منه".
وإذ يأمل أن لا تتّجه الأمور الى التصعيد بين أنقرة ودمشق، ينفي أن تحمل تصريحات الامين العام للحلف الاطلسي اندرس فوغ راسموسن -عن امتلاك الحلف الكثير من الخطط للدفاع عن تركيا وحمايتها إذا لزم الامر- في ثناياها إشارات الى بوادر اقتراب عملية عسكرية ضد سوريا.
ويقول: "بما أنّ تركيا عضو في الحلف الاطلسي، وقد تعرّضت لاعتداء، فالحلف يقف الى جانبها، وبالتالي هو مستعدّ لتقديم مساعدة لتركيا، في حال امتدّ النزاع الدائر في سوريا ليطال أراضيها، إلّا أنّ ذلك لا يعني بالضرورة عملاً عسكرياً".
ويضيف: "لقد تعاملت تركيا بعقلانية إزاء هذا التصعيد، ويسجّل لها ذلك.
ويشدّد وزير الخارجية الدانماركية على أنّه "بغضّ النظر عن عدد القتلى الذين سقطوا في سوريا، والمأساة الانسانية، على أطراف النزاع ان يجلسوا الى الطاولة، ويتفاوضوا ويقوموا بتسوية الأمور".
ويتابع: "ليس نحن من يحدّد من سيجلس على هذه الطاولة"، وذلك ردّاً على سؤال عن إمكان ان يكون الرئيس السوري بشّار الأسد جزءاً من أيّ تسوية مقبلة.
ولا يتوقع سوفندال أن تنهمك إدارة الرئيس الاميركي المنتخب باراك أوباما في أزمتها الاقتصادية وتنشغل عما يجري في سوريا.
ويقول: "إدارة أوباما تريد حلّ النزاع السوري، وجعل السوريّين يعيشون بديموقراطية، وهي تبذل كلّ جهودها من أجل ذلك، وليست واشنطن من يعوق القرارت التي تدين النظام السوري في مجلس الأمن"، وذلك في إشارة الى استخدام كلّ من روسيا والصين حقّ النقض "الفيتو".
عضوية فلسطين في الأمم المتحدة
أمّا في ما خصّ مساعي السلطة الفلسطينيّة لنيل صفة الدولة غير العضو في الامم المتحدة، فيقول سوفندال: "نحن ندعم حلّ الدولتين (فلسطين وإسرائيل)، وأن تعيشا بسلام جنباً إلى جنب، ونأمل أن يتمّ ذلك من خلال المفاوضات في أقرب فرصة، وعلينا الدفع باتجاه ذلك، عبر دعوة إدارة الرئيس الاميركي المنتخب باراك أوباما لإعطاء زخم لاستئناف المفاوضات الفلسطينية – إلإسرائيلية".
ويشدّد على أنّ الاتحاد الاوروبي قد يصوّت لمصلحة عضوية فلسطين في الجمعية العامة، إذا كان هذا القرار محطّ إجماع بين دوله الـ27.
ويذكّر سوفندال بأنّ الدانمارك لم تكتفِ بإصدار بيانات الشجب والإدانة ضدّ السياسة الإستيطانية التي يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقامت برفع مستوى التمثيل الفلسطيني في كوبنهاغن، ومساعدة السلطة الفلسطينية اقتصاديّاً، ومقاطعة المنتوجات المُصدّرة من المستوطنات غير الشرعية.
ويقول: "إنّ تسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي ستؤدّي الى حلّ النزاعات الأخرى، فإذا قمنا بحلّ أصل أو أم النزاع ستكون العائلة كلّها بخير"، وهذا ما سينعكس إيجاباً على الوضع في منطقة الشرق الاوسط.
اجتماع القاهرة
ويتوجّه سوفندال إلى القاهرة حيث يشارك اليوم في الاجتماع المشترك بين وزراء الخارجية العرب والإتحاد الأوروبي. إجتماع يحضره 21 وزير خارجية عربيّاً الى جانب 27 وزيراً من بلدان الاتّحاد الاوروبي. ويؤكّد وزير الخارجية الدانماركي أنّ الأزمة السورية ستتصدّر جدول المناقشات الجارية في العاصمة المصرية، الى جانب التطوّرات التي شهدتها مصر وتونس وليبيا، وعملية السلام في الشرق الأوسط، فضلاً عن المسائل الاقتصادية بين البلدان العربية والاوروبية.
ويشيد بالتطوّرات الديموقراطية الملحوظة في هذه البلدان الثلاثة. ويقول: قبل سنتين، لم نكن نعتقد ان تتحوّل هذه البلدان الى طريق الديموقراطية ". ويضيف: "بالطبع لدينا مخاوف، إلّا أنّ ذلك لا يلغي تشجيعنا لما نراه".
ويذكّر بانتخاب حكومة وبرلمان في ليبيا. ويقول: "تخيّلوا مشهد رجل في العقد السادس من عمره، يذهب ويقترع وهو بحياته لم يمارس هذا الحق".
وقد اختتم سوفندال زيارته إلى بيروت التي التقى خلالها كلّاً من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، يرافقه السفير الدانماركي يان توب كريستنسن، وعرض معهما للعلاقات الثنائية.