#dfp #adsense

عندما تصبح النرجسية قدراً

حجم الخط

"ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
ومن البلية عذل من لا يرعوي
عن غيه وخطاب من لا يفهم"
(المتنبي)

النرجسية:
كثيرون يعرفون أسطورة "نرسيس" الإغريقية، فذاك الشاب الوسيم ذهب ضحية جمال طلعته عندما شاهد انعكاس صورته على صفحة المياه لأول مرة، فؤخذ بجماله وبقي يتأمل نفسه إلى أن ذوى وتحول إلى زهرة أخذت منه اسمه وهي النرجس.

والنرجسية في مكونها العادي جزء أساسي من بناء الإنسان النفسي والإجتماعي، وهي من أهم دوافع الحفاظ على الذات جسدياً ومعنوياً، كما أنها قد تكون احدى أهم سمات التفوق والإنجاز والإبداع. لذلك فقد نجد في معظم المبدعين بعضاً من النرجسية التي تلامس أحياناً الخطوط الحمر الفاصلة بين ما هو بنّاء وإيجابي وما هو هدام وخبيث.

وكثيراً ما تجاوز الناس بعض الإنحرافات النرجسية عند المبدعين لأن حسنات إنجازاتهم تغفر لهم أو تغطي هذه الإنحرافات. أما النرجسية المرضية، والتي تصل أحياناً إلى حد وصفها بالخبيثة فهي نوع من الإضطراب النفسي الذي يصيب بعض الناس، وتتصف الشخصية النرجسية بشعور مبالغ في تقدير الذات وحساسية مفرطة تجاه انتقادات الآخرين أو مساءلاتهم.

يبالغ النرجسي في تضخيم ذاته ومنجزاته وذكائه وإمكانياته ومكانته الإجتماعية. كما أنه يعتبر نفسه محط أنظار الجميع وحسدهم، ويعتبر عامة الناس غير قادرين على فهمه أو استيعاب أفكاره الا قلة منهم مميزة.
ويغرق النرجسي في خيالات صاخبة حول نجاحه الأسطوري ونبوغه العبقري وإلهامه الذي لا يخطئ، ومع ذلك فلا يشعر بالرضى عن أي إنجاز يحققه لأنه يعتبره دائماً أقل مما يستحقه.
لكن الصفة الملازمة فهي الحسد والحقد على كل من يفوقه نجاحاً أو ذكاءً أو مرتبة. وقد تصل مع البعض إلى السعي لتدمير كل من يتفوق عليه، وبوسائل تصل إلى حد الإجرام.

وغالباً ما تصيب بعض هؤلاء نوبات غضب نافرة أمام الإنتقاد، أو في مواجهة أسئلة أو مواقف محرجة، أو في حالات الفشل في تحقيق الأهداف. وغالباً ما تنقص النرجسي القدرة على التعاطف الإنساني فيتصرف ببرودة أو حتى شماتة تجاه حزن أو مصائب الآخرين. وكثيراً ما يصاب النرجسي بنوبات اكتئاب وأعراض هستيرية وتصرفات مضادة للمجتمع في حالات الإحباط والهزيمة.

عندما تغذي الجموع النرجسية
من الواضح أن هذا النوع من الشخصيات يعاني صعوبات اجتماعية قد تصل إلى حد التسبب بالكوارث على المستوى الشخصي أو في محيطه العائلي أو الإجتماعي. ولكن الطامة الكبرى تقع عندما تأتي ظروف تضع نرجسياً في موقع قيادي أو سلطوي، فتتحلق حوله جموع من "المساطيل" أو المنتفعين مما يساهم بشكل خطير في تغذية السلبيات النرجسية، وكثيراً أيضاً ما يقع تحت تأثير مجموعة من الخبثاء الذين يعرفون نقاط ضعفه، فلا ينفكون عن مديحه للإستفادة من فائض غيه، فيظن هو أنهم من المؤمنين بعبقريته، أو يدخل معهم في لعبة الإستخدام المتبادل عندما يعتبر كل طرف أنه يستغل الآخر لهدف معين ولوقت محدد، على طريقة زواج المتعة.
إن تجارب البشرية مع هذا النوع من الوقائع كانت تنتهي دائماً بكوارث كبرى بحجم حروب عالمية.

سعي نرجسي محلي إلى مرتبة الشهادة
لا يحتاج اللبنانيون إلى كثير من التفكير ليشيروا بأصابعهم مباشرة إلى أكثر الشخصيات اللبنانية تطابقاً مع المرض النرجسي، فعشق هذا الكائن للظهور واضح من اقتحامه المتكرر لوسائل الإعلام تحت الرايات البرتقالية. هذه العلاقة بينه وبين وسائل الإعلام أشبه بمتلازمة "السادو-مازوشية"، فهو بحاجة ماسة ليعذبها بكلامه المفكك والمتناقض والشعبوي، ولكنها تعذبه بأسئلة محرجة أو تعليقات متسائلة وأحياناً بأخبار وتحليلات تشوه صورته التي يرى فيها نفسه كأيقونة مقدسة وجب تعليقها على كل صدر وفي كل بيت وعلى سطوح المنازل والشرفات وعلى عواميد الكهرباء وزجاج السيارات الخلفي والأمامي.

أزمة الرجل المنطقية هي أن هذه الصورة لم تعلق بعد في المؤسسات العامة، وهي أقل طموحاته! فهو يظن أن مكانها في الأمم المتحدة وعلى سطح القمر وهو عاتب على المركبة "الحشرية" لأنها لم تأخذها إلى المريخ.
يكفينا هذا القدر من الكلام الساخر، مع أن شر البلية ما يضحك، ولنعد إلى الوقائع، هذا الرجل وجد نفسه في الجيش، ربما اقتداءً بنابوليون، وتقدم في التراتبية العسكرية، ولا أحد يذكره بشكل خاص، ولم يكن أحد يعرف اسمه عندما تصور مبتسماً ومرحباً بضباط الإحتلال الإسرائيلي أمام متحف بيروت سنة وأنا شخصياً ظننته أحد مرافقي الضباط الإسرائيليين.

عند فراغ السلطة، صار رئيساً للوزراء وخاض جملة من الحملات الفاشلة وحوّل من معه من الجيش إلى ميليشيا خاصة به، تصارعت على السلطة مع ميليشيات أخرى شرقاً وغرباً وفي النهاية ختمت مع ميليشيا حافظ الأسد. كانت يومها نرجسيته في صراع بين تعليق وسام الإستشهاد على صدره، أو المحافظة على الذات، فغلب طبعاً الخيار الثاني في مسرحية هزلية تحدث هو عن فصولها منذ فترة، متجاوزاً واقع أنه ترك المئات من أفراد وضباط الجيش، والآلاف ممن ناصروه فريسة سهلة لحافظ الأسد وأعوانه.

منذ اليوم الأول لعودته إلى لبنان مستفيداً من دماء الشهداء، كان همه كيف ينافس الشهداء على مركز الصدارة، وعندما فشل في ذلك تحول، ككل نرجسي، الى محاولة تدمير ذكرى الشهداء وحرمانهم حتى من حق الشهادة، وعندما فشل أيضاً، كعادته، رأى في مرتبة "الشهيد الحي" مخرجاً حتى "لا يموت الديب ولا يفنى الغنم". من هنا إصراره على قضية الرصاصة "العجائبية" التي قال عنها إنها أطلقت على موكبه الوهمي.

الواقع هو أن الإشكال الآن ليس في سعي نرجسي ما إلى الإستيلاء على موقع "الشهيد الحي"، أو حتى في إنكار له حقه في الإدعاء على وسائل الإعلام "المزعجة" التي شككت في محاولته للسطو على منزله المستهدف في أمنه، ولكن المصيبة هي في مسايرته ودعم نرجسيته من اي جهى اتى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل