لم يحصل ان حاول "رئيس" دولةٍ استغباء عقول الرأي العام العربي والدولي الى هذا الحدّ، كما فعل "الرئيس" السوري بشّار الأسد خلال مقابلته الأخيرة مع قناة "روسيا اليوم"!
قال بشّار الأسد: "إذا انتهى امري انتهت العلمانية في المنطقة". ولكن منذ متى كانت العلمانية مُرتبطة بحكم فردٍ واحدٍ أحد؟ حتى في معرض تسويقه لـ "علمانية" نظامه المزعومة، لم يستطع بشّار الأسد إلاّ تأكيد شخصانية، وفردانية وديكتاتورية حكمه المطلق لسوريا.
العلمانية تستوجب المساواة بين المواطنين، امّا "علمانية" سوريا الأسد فهي تغليب فئةٍ طائفية او سياسية على الباقين، وتحكّم قلّةٍ اوليغارشية وطائفية بمقدّرات البلاد والعباد!
"العلمانية" بحسب تعريفها المُتفّق عليه عالمياً، تؤكد "عدم تبنّي دين مُعيّن كدين رسمي للدولة". بشّار الأسد هو "الرئيس العلماني" الوحيد في العالم، الذي يذكر دستور نظامه، في مادته الثالثة، دين رئيس الدولة، ويُشددّ على اعتبار هذا الدين مصدراً رئيسياً للتشريع. مؤسس حزب البعث نفسه، ميشال عفلق، كان السبّاق الى تكذيب إدعاءات بشّار الأسد، فأعلن أن "حركة الإسلام… ترتبط إرتباطاً مباشراً بحياة العرب المُطلقة"، ثم أشهر إسلامه، ووُري في الثرى في عاصمة الخلافة العباّسية، بغداد!!
"دائرة المعارف البريطانية" تُعرّف "العلمانية" بكونها "حركة اجتماعية… تُعتبر جزءاً من النزعة الإنسانية التي سادت منذ عصر النهضة لإعلاء شأن الإنسان…". "علمانية" بشّار الأسد المُزيّفة، ليست من "الإجتماعية" بشيء، بل هي حركةٌ أمنية مخابراتية إجرامية، لم تُرجع البشرية الى ما قبل عصر النهضة فحسب، وإنما الى ما قبل العصر الحجري ايضاً.
الإنسان هو حيوانٌ إجتماعي بطبعه. "علمانية" نظام الأسد شردّت الإنسان، وفرقّت العائلات والتجمّعات البشرية، فجردّت هذا "الإنسان" من طبيعته الإجتماعية، وعاملته معاملة الحيوان فحسب. "إعلاء شأن الإنسان" بحسب مفهوم "النظام الأسدي" للعلمانية، يتمظهّر جلياً من خلال آلاف المجازر، وعمليات التطهير، والتهجير، والتصفية التي تُرتكب بحق كرامة الإنسان. وإذا كان حكم بشّار الأسد "علمانياً" حقّاً، فالموضوعية التاريخية تُحتّم علينا إنصاف النازية والستالينية معه ايضاً!!
العلمانية هي وليدة الفكر الليبرالي، ولا تنفصل عنه. فمن اين لنظامٍ بعثيٍ اشتراكيٍ هذه "العلمنة" الطارئة، فيما العقيدة الإشتراكية قامت اساساً كردّة فعلٍ على الليبرالية؟!! العلمانية تنبع من الحرية الفردية واحترام الحريات العامة والخاصة، امّا البعثية الإشتراكية فهي الشمولية بحدّ عينها.
"إذا انتهى امري انتهت العلمانية في المنطقة" قال بشّار الأسد، لكن العلمانية بحدّ ذاتها لا تنبت، ولا تنمو وتزدهر، إلاّ متى "انتهى امر" الإستبداد، والتمييز، والديكتاتورية. إدعّاء بشّار الأسد "العلمانية" ليس سوى إتهّامٌ لمعارضيه بـ "التكفيرية"، ولكن لو كانت المعارضة السورية، معارضةً "تكفيرية" فعلاً، كما تزعم الدعاية الأسدي، لما انتخبت "كافراً" رئيساً لها!
التكفيريون الفعليون ينتقدون "التقيّة" التي يُتقنها بشّار الأسد بالفطرة، "سُنتّهم" يرفعونها فوق أسنان الرماح، من دون خجلٍ او وجل. إسلامهم هو "نعم نعم ولا لا"، "التقيّة" ليست من سُنتّهم، ولا هم من ارباب الدجل السياسي، و"الظنيّة". ان يُولّي التكفيريون رئيساً غير تكفيري عليهم، فهذا ليس من التكفيرية بشيء، حتى ولو كان ذلك على سبيل التكتيك او المناورة السياسية. التكفيري، كما يدّل اسمه، يُكفّر الجميع، واوّلهم المنتمين الى مذهبه بالذات، فمن اين له هذا الإنفتاح، وهذا الإعتدال، وهذا التسامح الذي يجعله ينتخب "جورجاً" رئيساً له.
انتخاب جورج صبرا رئيساً للمجلس الوطني السوري شكّل صفعةً مُدويّة لنظام الأسد. فإذا كان ما يقوله نظام الأسد عن "حماية الأقلّيات" صحيحاً، فماذا يفعل جورج صبرا على رأس المعارضة السورية إذاً؟ وماذا كان يفعل مع ميشال كيلو، وهديل كوكي، ومئات المسيحيين السوريين المعارضين الآخرين، في سجون المزّة وتدمر وصيدنايا؟ وماذا يفعل بطرس خوند والأبوين شرفان وابو خليل، ومئات المعتقليين المسيحيين اللبنانيين، في سجون النظام الأسدي حتى يومنا هذا؟
منذ اقل من سنتين، وحتى الآن، تناوب على رئاسة المعارضة السورية ثلاثة رؤساء يتحدّرون من جذورٍ عرقية وطائفيةٍ متنوعّة، امّا النظام الأسدي فـ 42 سنةً ليست كافيةً له بعد، للإعتراف بالتعددية وحق الغير في التناوب على السلطة!!! المكتوب يُقرأ من عنوانه. انتخاب "المسيحي العربي" جورج صبرا، بعد "الكردي السنّي" عبد الباسط سيدا، و"العربي السنّي" برهان غليون، يؤشّر الى وجود نيّة حقيقية لدى المعارضة السورية بإحترام التنوّع، التعددية والديمقراطية في سوريا الحرّة.
إنتخاب جورج صبرا ليس حدثاً هامشياً في حياة سوريا الحرّة، ولا هو جاء ليضع "مسيحياً سورياً" في واجهة الحوادث الدموية، كما فعل بشّار الأسد عندما عيّن داوود راجحة وزيراً للدفاع بمواجهة ثورةٍ شعبية عارمة. إنتخابه، شكّل الشرارة التي وحدّت قوى المعارضة السورية في الدوحة، إيذاناً بـ "إنتهاء أمر" القمع والإرهاب والديكتاتورية، وبزوغ فجر الحرية، والكرامة، والإنسان.
عندما فارق حافظ الأسد الحياة في العام 2000، لم يُعلن النظام التعتيمي في سوريا، خبر وفاته إلاّ بعد الإنتهاء من التحضير لمراسم الجنازة. وعندما يطرح رئيس هذا النظام في العام 2012، فرضية "إنتهاء امره" من ضمن إحتمالات نهاية الأزمة في سوريا، فذلك يعني ان "أمره انتهى" فعلاً، وان ما تبقّى له من حكم، لا يعدو كونه عملية التحضير لمراسم الجنازة النهائية.
قدر المسيحيين في الشرق ان يكونوا على الدوام روّاد نهضةٍ وحريّةٍ وربيع…قدرهم أن يكونوا حيث هو جورج صبرا في صميم الثورة السورية، وحيث هو سمير جعجع في صميم ثورة الأرز والربيع الآتي…