كتبت كريستينا شطح لـ"الجمهورية":
يقبع «الحكيم» في معرابه، أو الأحرى في «محرابه» الذي بات أشبه بمنطقة عسكرية محصّنة، مُطلقاً النار السياسية يوميّاً في اتّجاهات عدّة، ولا تسلم منها بكركي ومقامها الديني والوطني الكبير، محاولاً فرض أمر واقع كذلك «الأمر الواقع» الذي كان يفرضه في السنين البائدة والذي لم ينتهِ إلّا بعد دخوله السجن.
بدلاً من أن يناقش في مشروع الحكومة الانتخابي وتحسين التمثيل المسيحي من خلاله راح يطرح مشروع الدوائر الصغرى الخمسين، بعد قبول نظريّ بالمشروع الأرثوذكسي، وانتقاد مفتعل لقانون الستّين، على رغم إدراكه أنّ البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي يرفضه جملة وتفصيلاً، ومعه فريق سياسيّ لبناني واسع من كلّ الطوائف، وآخر ما قاله «الحكيم» في هذا المجال إنّه يؤيّد أيّ قانون انتخابي، فلماذا لا يقبل بالمشروع الحكومي، أو حتى بغيره؟
منذ أن تولّى البطريرك الراعي سدّة بكركي، لم يبدِ رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع أيّ حماس أو سرور لافت، لأنّ الكيمياء لم تتفاعل بين الشخصية الحوارية والانفتاحية التي يتميّز بها البطريرك وبين شخصية البطريرك الجديد الذي ينتهج مواقف عابرة لطائفته إلى الوطن كلّه، ولذلك كانت جولاته على معظم المناطق اللبنانية، وعلى اللبنانيين في دول الانتشار، وهي جولات مستمرّة.
لم يجد جعجع في الراعي ما كان يجده في البطريرك السابق الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الذي تربطه به صداقة متينة وطويلة إلى حدود أنّ البعض كان يأخذ على الأخير أنّه ينحاز إليه دوماً ويماشيه في التوجّهات السياسية.
ولذلك فإنّ المعلن لدى جعجع إزاء بكركي هو غير المضمَر، المعلن لا يوحي بوجود أيّ تناقض أو خلاف مع البطريرك، ولكن المضمَر فيه انتقادات لاذعة يوجّهها الحكيم في مجالسه إلى بكركي، ويبدو أنّ جعجع ليس مرتاحاً إلى التنسيق القائم حاليّاً بين الراعي ورئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان حول المبادرة الرئاسية الداعية إلى الحوار لأنّه وحلفاءَه في 14 آذار قرّروا مقاطعة هذا الحوار وكذلك مقاطعة مجلس النوّاب، ورفعوا شعار إسقاط الحكومة بما يخالف رغبة المجتمع الدولي المعلنة بضرورة الحفاظ على الاستقرار وعدم إدخال لبنان في الفراغ.
ولعلّ منشأ التعارض بين بكركي وجعجع، أنّ البطريركية المارونية لا تماشيه في خطابه التصعيدي والاتّهامي الدائم ضدّ الأقربين والأبعدين. فهي بمقدار حرصها على وحدة الصف المسيحي تحرص أيضاً على وحدة الصف اللبناني، لأنّ لبنان لم يعد يتحمّل استمرار خطاب التصعيد والتحريض على الحرب الذي بات من الماضي، فهذا الخطاب دمّر المسيحيّين واللبنانيّين في الماضي ويهدّد بتدميرهم اليوم، ولم يعد ينفع في «شدّ العصب» أو في إيجاد العصبية الطائفية، والمسيحية تحديداً في الوقت الذي ترى بكركي ومعها كلّ العقلاء في البلد أنّ على المسيحيّين دوراً وطنيّاً كبيراً يمكنهم إذا اضطلعوا به في هذه المرحلة أن يجنّبوا البلد خطر التفتّت الطائفي والمذهبي الذي يطلّ بقرنه عليه من جرّاء ما يحصل في سوريا والمنطقة من نزاعات طائفية ومذهبية تنعكس على لبنان توتّراً مذهبيّاً وطائفيّاً.
وترى بكركي أنّ اضطلاع المسيحيّين بهذا الدور الآن، من شأنه أن يعيد لهم دورهم التاريخي في تكوين الكيان اللبناني وحمايته والدفاع عنه مثلما كانوا في الماضي. ولا يمكن بكركي أن تقبل أن يلعب جعجع مجدّداً ذلك الدور الخطر الذي لعبه في الماضي وأدّى إلى تمزيق المسيحيّين وأعاقهم عن دورهم الوطنيّ وكاد يعطّل صيغة عيشهم المشترك مع إخوانهم في الوطن من بقيّة الطوائف.
ويتساءل كثيرون كيف أنّ جعجع يحاضر في السلم الأهلي، ويتّهم الآخرين بتخريبه عبر اتّهامات جاهزة لديه، إذ إنّ مَن يسمعه يعتقد أنّ الرجل، هو ليس ذلك الرجل الذي ارتبط اسمه بأحداث كبيرة وخطيرة هزّت البلاد لسنين طويلة. فهو حوكم في جريمة اغتيال الرئيس الراحل رشيد كرامي وجريمة اغتيال رئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون ثمّ في بداية عهد «الطائف» كانت جريمته في محاولة اغتيال نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع آنذاك ميشال المر، وقبله اغتيال الدكتور الياس الزايك، كلّ هذه الجرائم حوكم الرجل بها وسُجن، وإن كان بعض أهل الدم قد صفحوا عنه.
وبدلاً من أن تكون تلك المرحلة التي أودت به إلى السجن عبرة لـ»الحكيم» لكي يعتبر ويعتدل ويتوب، عاوَد سيرته الأولى بإطلاق النار على رئيس الجمهورية وعلى البطريرك الماروني وعلى وعلى… وصولاً إلى «التنبّؤ» المستمرّ بالاغتيالات وتوجيه الاتّهامات في غير اتّجاه، فهل يريد إبقاء المسيحيّين دوماً في دوّامة الخوف عبر تخويفهم من شركائهم الآخرين في الوطن؟ وهل مصلحة المسيحيّين باتت في نظره الانحياز بما يحفظ الوجود المسيحي في لبنان؟
أما آن لجعجع بعد كلّ ما جرى أن يتعقّل ويعتبر؟