
لا يستطيع حسن نصرالله أن يتلفظ باسم سمير جعجع! لا يتحمّل حتى مجرّد الفكرة. هو يعتقد انه اذا فعل ذلك، يكون اعطى خصمه السياسي اللدود أهمية كبيرة كبيرة، وهالة اضافية تُزاد الى رصيد الثاني من حصة الاول! يعتبر "نصرالله" ان بمجرد ذكره "اسم" جعجع يعني انه وضعه في موقع المنافس الموازي له تماما، الند للند، أمر غير مقبول ومرفوض بتاتاً من إله البلازما وسيّد الجحور.
جنت عصبية الرجل في خطابه الاخير امام آلات المستمعين الذين حضروا احتفال الشهداء. المشهد هو هو منذ سنين وسنين. يجلس هو في مخبأه الى الشاشة يحاورها ويسرح بافكاره ولا من يناقش أو يعارض، ويجلس المستمعون الصاغرون الافواه والاذان في قاعة كبرى، يتلقّون الدروس والعظات، يصفقون بين الفاصلة والفاصلة، ويخرجون كما دخلوا كالالات المبرمجة على الاستماع والتصفيق والاشادة… مشهد ديمقراطي متحضّر متطور من قلب بيروت ام الشرائع، قلب الضاحية ام الشريعة الايرانية العابرة لكل الحضارات..
جُنت عصبية حسن نصرالله هذه المرة، ولم يتمكن من كبت غيظه الدفين المعتّق من ساكن معراب، لدرجة ان محور خطابه تركّز للهجوم على جعجع، وعبره الهجوم على "14 آذار"، ووصلت عصبيته الى درجة التوجه بالسؤال المباشر لجعجع: "اذا كنت واثقاً من نفسك فتفضّل بقبول اعتماد النسبية يا قبضاي"!! ولن ندخل هنا بجدال من هو "القبضاي" فعلاً بين الذي يعرف أن الموت يتربّص به في كل زاوية، ولكنه يتحدّى ويتسلّح بيسوع ويذهب ليواسي المحزونين في قلب الاشرفية في عز لحظات الذعر والحزن، او الذي تحدّى جميل السيد والمخابرات السورية، وبقي منتصب القامة يمشي في زنزانة الظلام والاحتلال لاعوام وأعوام، أو بين من حوّل شاشة البلازما نافذته الوحيدة على الحياة، ونزل تحت قعر الارض ذعرا مدعيا انه مستهدف من الموساد، ولا نعرف اذا كان الموساد فعلا يجهل مكانه، او الذي دمّر البلاد فوق رؤوسنا لانه "لم يكن يعلم"… لن نقارن من هو القبضاي فعلا بين الرجلين، انما الاكيد ان نصرالله هذه المرّة انزلق في غضبه، لدرجة انه دخل في هذيان النسوان، (بالاذن من السيدات)، اذ شبّه ميشال عون بالزعيم المسيحي الاول، علّ سمير جعجع تُجن في قلبه الغيرة، ويبدأ بالنحيب ويجمع من حوله المستشارين، ويقف أمام مرآة الزمان يسألها "مرايتي يا مرايتي قوليلي انا الزعيم المسيحي الوحيد بلبنان والمشرق"!!…
دخل نصرالله اذن في السخافة المطلقة. غضبه أقحمه في غير مكان، في مكان بعيد عن النقاش السياسي الفعلي، بعدما تحوّل خطابه الى ما يشبه الانتقام الشخصي من زعيم سياسي هو نقيضه تماما، زعيم يكرّس كل يوم بادائه العالي، منطقا سياسيا حضاريا مترفّعا حتى تجاه خصومه، ويجد من يتفاعل معه ويذهب معه الى المواقف الثابتة، من دون محاولة لالغاء الاخر او الاستخفاف به. كارثة نصرالله هي نحن المؤمنين بخط "القوات اللبنانية" و"14 آذار"، كما هي كارثة ربيبه ميشال عون. على فكرة أحلى وسام عبودية تلقاه عون في خطاب نصرالله، حين اعتبره الاخير زعيم المسيحيين. هذه خدمة مجانية يُشكر عليها…
وبعد؟ بعد الكثير مما يقال عن الرجل وادائه العصبي في خطابه الاخير، لكن لا بد لنا ان نشكره على ما تمتّع به من "أخلاق" عالية، اذ كابر وجاهد على نفسه الجلوس الى طاولة الحوار، مع عملاء لاسرائيل، هو سيّد المقاومة والممانعة والتصدي!!! مش هينة. هو يضحّي بأغلى ما عنده، الشرف، يجلس الى جانب "عملاء"، ويترك في بيته وفي بيئته الوحيدة الحاضنة حتى الان، مئات ومئات العملاء الذين تخرّجوا من تحت عمامته، وكشفهم وسام الحسن، وسام الحسن ما غيره الذي كوفىء بالاغتيال، وأيضا أشرف ريفي الذي يكافأ بحملات التخوين كما حصل تماما مع الحسن، هؤلاء هم الشرفاء الذين يضطهدهم حسن نصرالله لانهم شرفاء.
لم ينس حسن نصرالله أن يخرج الاصبع اياه، ويهدد اللبنانيين ويذكّرهم انه هو "السيّد" على الارض، وان المقاومة ستبقى رغما عن أعمارنا وأطفالنا ومستقبلنا ولبناننا الاخضر الذي على يده، لن يبقى لا أخضر ولا لبنان ولا مستقبل، والا… والا كل يوم من عمرنا سيكون 7 آيار وحرب تموز واغتيال الحسن وقوافل شهداء جدد… كل ذلك لانه هو "القبضاي"، الذي تبين في آخر خطابه المدوي بالدماء، انه رسم بداية لغير كلام ولغير موسم لبناني حافل بمطر لا يروي العطش، ولا يغرز الخير في تراب الارز، موسم قبضايات يزرعون الويل في كل ليل ونهار، وان كان فات نصرالله تفصيل صغير، أو لعله لم يفته انما تجاهله، ان القبضاي الحقيقي غير الذي يسكن معراب ويسكن حرقة قلبه، هو نحن، الشعب، الاكثرية الساحقة الماحقة، سلاحنا فوق، فوق كثيرا، السماء، وأحيانا تكفينا السماء لننزل ما نشتهي من العواصف والاعاصير… فقط تذكّر…
