ألهب السيد حسن نصرالله حماسة مناصريه حين استعاد لغة تخوين الخصوم في قوى 14 آذار ونعت بعضهم بانهم عملاء او حلفاء لاسرائيل. تخوين يفترض ان يضع حداً حاسماً لـ”كرم اخلاق” في جلوسه معهم الى طاولة الحوار، لأن العمالة للعدو لا تجيز بعد كلام علني كهذا التعامل مع عميل بالحوار.
قبل ذلك، تعهدت قوى 14 آذار عدم الجلوس “مع السلاح”، وبعضها قال “مع القتلة” بعد الآن. تعهد يفترض بدوره ان ينهي كل الآليات والشكليات الحوارية المعتادة قبل اغتيال اللواء وسام الحسن لأن المحاور المعرض للقتل والترهيب يغدو رهينة محاوره.
يخال الناظر الى هذه المعادلة الناشئة قبل انصرام شهر على اغتيال اللواء الحسن، ان لبنان الذي قفز تكراراً فوق حفرة النار التي دبّرت له في ليل ارهابي جديد، يرزح في المقابل تحت وطأة “نجاحات” محققة بدأت بتصفية العقل الامني اولاً وتمادت الى تصفية كل فرص التسويات الانتقالية السياسية في مرحلة العبور الى الانتخابات ثانياً.
التخوين في خطاب السيد نصرالله لا يوازي سوى شعار “بلطوا البحر” الذي طالما رافق الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية. وهو يرفعه الآن في وجه 14 آذار حيال مجمل الوضع الداخلي وليس السلاح او مسألة الاغتيالات و”الاتهام السياسي” فقط.
ورفض 14 آذار الجلوس مع “السلاح والقتلة” على وقع المقاطعة، لا يوازي سوى “بلطوا بحراً” آخر، بمعنى ان كل الاستخفاف والتقليل من اثر المقاطعة والرهان على عقمها في اسقاط الحكومة لم يكن في محله اطلاقاً. لو لم يكن ذلك مجدياً وموجعاً لما استعار السيد نصرالله نبرة التخوين، ولو انه مضى في الاستخفاف بخصومه. وهذه المعادلة مفضية الى اطلاق رصاصة الرحمة على الوسيط الداخلي في الحوار.
ثمة ما يستثير التساؤل عما بقي لرئيس الجمهورية ان يفعله وعلام يوالي مشاوراته ما دامت الازمة تبتلع بفصولها المتعاقبة كل ما كان قائماً قبل 19 تشرين الاول، تاريخ اغتيال اللواء الحسن؟ واذا كان ثمة من يخفف وطأة هذه التداعيات ويمني النفس بفشل الفتنة في صيدا مثلاً، فكيف تراه يصف “الميليشيا الأسيرية” الناشئة في المدينة تحت عيون العسكر والامن؟ وما معنى ذلك الكلام “المطمئن” عن “خطوط حمر” ورفض الامن بالتراضي فيما السلاح يقارع السلاح ويغزو المدن والبلدات والقرى ويراكم ترسانات المسلحين الجدد في مواجهة اندادهم المسلحين القدامى؟ وهل تقل غزوة السلاح فتنة عن الفتنة بعينها؟
لعله لم يبق للدولة الا ان تجهد الفكر لاستنباط مصطلح آخر غير الحوار الشهيد وشعارات الطمأنة الفارغة.