#adsense

“حزب الله”.. وصاية أم احتلال؟

حجم الخط

ما بين نداء مجلس المطارنة الموارنة في أيلول ، الذي أطلق شرارة العمل الإستقلالي، وبين تحقق الجلاء العسكري السوري عن لبنان في نيسان ، تصارعت كلمتان في توصيف الهيمنة الالحاقية التي فرضها نظام آل الأسد على البلد: "احتلال" و"وصاية".

العونيون في تلك الفترة كانوا الأكثر اصراراً على استخدام مفردة "احتلال". فهي تتفرع من مقولة "الاحتلالات المتعددة" التي راجت مسيحياً خلال الحرب، وتنسجم مع مرجعية القرار الدولي لا "اتفاق الطائف"، ومطلب الانسحاب الفوري وليس اعادة انتشار القوات السورية. كما يسمح توصيف "الاحتلال" بحجب كل شرعية عن مؤسسات الدولة بعد مغادرة رمز الصمود "الحانيبعلي" ميشال عون لقصر بعبدا.

المسيحيون السياديون الآخرون انخرطوا في المعركة الاستقلالية قبل وبعد نداء مجلس المطارنة الموارنة وبعده، لكنهم اعتمدوا مقاربة مركبة. لم تكن لديهم مشكلة جوهرية في استخدام مصطلحي "وصاية" و"احتلال"، احياناً كمترادفين، واحياناً بحسب الظرف السياسي وهوية المخاطَب. وعموماً، كانوا اكثر تحسساً لأهمية التفريق بين "الاحتلال الاسرائيلي" وبين "الوصاية الاحتلالية" السورية، خصوصاً اذا ما أريد للمعركة الاستقلالية أن تكون شاملة، اسلامية مسيحية، تحاكي التصور الذي تبناه "الارشاد الرسولي من أجل لبنان"، الممهور بتوقيع البابا الراحل يوحنا بولس الثاني.

وكلما كانت الحالة الاستقلالية اللبنانية تتبلور كحالة ميثاقية جديدة، اسلامية – مسيحية، كانت مفردة "الوصاية" تهيمن على ما عداها، رغم ان الطرح البرنامجي المواكب تطور بسرعة باتجاه مطلب الانسحاب السوري الشامل، المكرس في القرار . هذا بعد ان تمادى أهل الوصاية في استفزاز الناس بالمقولة السيئة الذكر،
"ان الوجود السوري في لبنان ضروري وشرعي ومؤقت". هذه المقولة التي لا تختلف كثيراً في سخفها وغطرستها عن مقولة "لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته" التي تواصل دكّ البنية الكيانية والأهلية للمجتمع اللبناني في السنوات الأخيرة.

بعد الجلاء السوري، ستمكن مقولة "الاحتلال السوري" العونية روّادها من الارتماء في أحضان النظام السوري ضد أخصامهم المحليين.
فبما انه احتلال، ينتهي مع آخر جندي سوري يغادر الأراضي اللبنانية. وعندها لا حرج في التحالف مع النظام السوري الذي لم يعد محتلاً، حتى لو كان التحالف موجهاً ضد لبنانيين آخرين. بل أن ماضي "المقاومة العونية" العسكرية (حرب التحرير) ثم "الغاندية" ضد هذا الاحتلال، يعطيها شرعية زائدة للمضي قدماً في "تحالف الأحرار والمتساوين" مع نظام بشار الأسد.

في المقابل، فإن اجماع الحراك الاستقلالي المعبّر عنه في صيغة "قوى آذار"، على تعريف المرحلة المنقضية بالوصاية السورية والنظام الأمني التابع لها، أتاح رؤية استمرار التدخّل السوري بعد الجلاء، وخصوصاً من خلال مسلسل الاغتيالات والتفجيرات، ثم رؤية تشابك المصالح والسياسات السورية والايرانية في لبنان اكثر بكثير مما اشتهر قبل ذلك.

والوصاية من هذه الناحية هي "اكثر من احتلال، وأقلّ من احتلال" في آن. أقلّ من احتلال، اذا ما أريد تحاشي استخدام المفردة نفسها التي تستخدم لوصف الاحتلال الاسرائيلي. أكثر من احتلال، كونه يصادر قرار الدولة ولا يعترف بالوجود الكياني المستقل للبنان، وهذا لا ينتهي بالجلاء العسكري بحدّ ذاته، خصوصاً اذا ما ترافق هذا الجلاء مع اطلاق حرب سرية ارهابية تستهدف رجالات الاستقلال اللبناني الثاني.

بيد ان المفارقة الكبرى انّ وصف النظام البعثي بأنه قوة احتلال غاشمة هو وصف سرعان ما تبناه الشعب السوري نفسه، بعد اندلاع الثورة الشعبية، ورد النظام عليها بالجرائم المتواصلة ضد الانسانية.

هكذا، لم تتأخر الجماهير السورية في توصيف نظام آل الأسد بأنه "قوة احتلال" وليس فقط "قوة طغيان واستبداد": درعا المحتلة، كفرنبل المحتلة، الزبداني المحتلة، ادلب المحررة، حلب المحررة. الغرض اولاً، الاشارة الى ان النظام تخطى "المعقول الاستبدادي". الغرض ثانياً، التدليل على انه نظام يتعامل مع السوريين كـ"سكان أصليين" يأتيهم من وراء البحار، ولا صلة نسب بينهم وبينه. طبعاً، لهذا التوصيف مضاعفات مقلقة على صعيد مستقبل العلاقة بين مكونات المجتمع السوري.

في لبنان، كان السؤال "وصاية أم احتلال؟".
في سوريا، صار السؤال "استبداد وطغيان هو أم احتلال؟".

لكن السؤال، على ما يبدو عاد مجدداً الى لبنان: ما توصيف "حزب الله"، خصوصاً في مرحلة ما بعد تورّطه في بعث "مقاوميه" الى حمص، وفي مرحلة ما بعد اغتيال اللواء وسام الحسن، والشعور العارم من قبل جماعات اهلية لبنانية واسعة بأن "حزب الله" صار يشكل ليس فقط خطراً وجودياً مباشراً على وجودها وحريتها، بل أمسى عدواناً منهجياً يومياً على هذا الوجود.
"كفرنبل المحتلة" .. لكن ماذا عن بيروت وصيدا؟ هل "حزب الله" قوة "وصاية" أو "احتلال"؟

الاجابة تطوّع بها السيد حسن امس الأول: قوة احتلال. كلامه الاخير يحاكي في المضمون وفي العبارة اكثر الخطابات غطرسة وعجرفة في سجل الحروب الاستعمارية. تحسبه جنرالاً فرنسياً في الجزائر. طبعاً، "ناقص الحداثة والرسالة التحضيرية"، والقيم التفاضلية الاخرى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل