الخطاب التصعيدي العالي النبرة للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، يعبّر عن واقعين قائمين، الأول حالة التشنّج والإضطراب التي يعيشها الحزب، بفعل رياح التطورات المحلية والإقليمية التي تسير بما لا تشتهيه شراعه، وتشير الى أن الأمواج التي تحمل معالم التغيير الحتمي تهدد بإغراق السفينة التي يركبها مع النظام السوري، ما يجعله يمارس "النأي" وضدّه. أما الواقع الثاني، فهو الحاجة الى إعادة التعبئة الشعبية التي يحتاجها الحزب في هذه المرحلة المصيرية، وهذه التعبئة يصعب أن تحقق أهدافها الا برفع منسوب التوتر والتهويل والتحذير من فتنة سنّية – شيعية لا أحد يحذّر منها الا "حزب الله"، لكن في الوقت نفسه لا أحد يغذيها إلا "حزب الله" وممارساته.
لا أحد ينكر قدرة هذا الحزب على قلب الأمن في البلاد رأساً على عقب، بالإستناد الى ترسانته العسكرية التي حولت وجهتها من الحدود مع إسرائيل الى الداخل اللبناني والى سوريا، تماماً كما نفّذ الإنقلاب السياسي بالقمصان السود مطلع العام الماضي، وقلب المعادلة السياسية التي أفرزتها نتائج الإنتخابات، لكن الكل يقرّ بمن فيهم الحزب بأن الإنقلاب العسكري لم يعد بإستطاعته تغيير وجهة رياح التغيير القادمة على المنطقة التي ستقتلع حليفه بشار الأسد، والتي ستجعله في مهب هذه الرياح بعدما ربط مصيره بمصير نظام سفاح دمشق، وبات شريكاً مضارباً في اللعبة الدموية في سوريا.
خطاب نصرالله، كما خطاباته السابقة، ينطوي على مفارقات غريبة يبقى العقل قاصراً عن إحتوائها أو الربط بينها وبين ما ينفذه على الأرض.
السيّد نصرالله لا ينفك يردّد لازمة التحذير من الفتنة السنّية – الشيعية التي على ما يبدو أنها تقلقه، بينما على الأرض يطلق العنان لمسلحيه يسرحون ويمرحون ويقتلون ويروعون، وهو من إخترع شعار السلاح لحماية السلاح، عندما أعطى الضوء الأخضر لإجتياح بيروت في السابع من ايار الذي قتل مواطنين أبرياء من ابنائها.
ينبّه على خطورة اللعب بالإستقرار الأمني واللعب بالسلم الأهلي، بينما يعتبر الإغتيالات حوادث عرضية، ويوفر الملاذ الآمن للمتهمين بالإغتيالات ومحاولات الإغتيال، ويرفّع هؤلاء الى مرتبة القديسين الذين لا يمكن أن تطالهم يد العدالة حتى بعد ثلاثماية سنة.
يشدد على إعتماد الخطاب الهادئ والإبتعاد عمّا يوتر الأجواء، ثم يستعير عبارات وئام وهاب وميشال عون في الاستفزاز ويستعمل المفردات التي تهين كرامات الناس، الغريبة عن منطق أهل السياسة وأسياد المنابر.
يتحدث عن ضرورة العودة الى الحوار والإلتقاء والنقاش الهادئ، وفي الوقت نفسه يعود الى لغة التخوين ووصم خصومه بتهمة العمالة لإسرائيل والتآمر على حزبه، بما يعني إستباحة كراماتهم وإنسانيتهم وحتى دمائهم، في حين يرى أن عمالة الساعد الأيمن لحليفه الأول هي من الفضائل التي تستحق الثناء لا الذم والتخوين.
يؤكد التعقل والتبصر والتأمل في مقاربة الأمور، لكنه يعتمد التضليل وقلب الحقائق وتحريف الوقائع وتزوير التاريخ، وإتهام الآخرين بما هو فيه.
يخترع شعار النأي بالنفس عن الأزمة السورية بينما ينغمس حتى أذنيه في الصراع السوري عبر إرسال آلاف المقاتلين الى سوريا لمشاركة قوات الأسد في القتل والتنكيل والتشبيح تحت عنوان "الواجب الجهادي"، وينصب راجمات صواريخه في جرود البقاع لتقصف القرى والبلدات السورية المناوئة لرفاق السلاح. يطالب الآخرين بالإبتعاد عن مستنقع سوريا، بينما هو يبرر إنتهاكات جيش الأسد في الشمال والبقاع وإعتداءاته على السيادة اللبنانية قصفاً وقتلاً وتدميراً لمنازل الآمنين وإتلافاً للبساتين والمحاصيل، ويغض النظر ايضاً عن مخططات بشار الأسد التدميرية من خلال إرسال المتفجرات مع ميشال سماحة لتفجيرها في عكار وقتل مئات الابرياء.
يتهم مسيحيي 14 آذار زوراً وبهتاناً بالتحريض على الفتنة السنّية – الشيعية ومن دون تقديم أي دليل، بينما يسمح لشبيحته أن تحرق المساجد في برج أبي حيدر والبسطة، وتدمر المؤسسات الصحية والإنسانية ويضع هذا الأمر في خانة حق التعبير عن الرأي. يتهم مسيحيي 14 آذار ايضاً بإستهدافهم للطائفة الشيعية التي يدعي إحتكاره لها، لمجرّد انتقادهم أداء الحزب في السياسة، لكنه يقف مغتبطاً وهو يستمع الى شتائم حليفه ميشال عون ضدّ الطائفة السنية وإتهامها بالتطرف والأصولية وتحذيره من خطر أن يكون الحكم السني بديلاً من "النظام العلماني" بما يهدد الأقليات في المنطقة. أمام كل هذه الوقائع يرى المراقبون أن "حزب الله" بلغ القمّة إثر تحرير الجنوب في العام ألفين، لكنه بدأ مرحلة إنحدارية إشتدت وتيرتها إثر إنسحاب القوات السورية من لبنان، ويرى هؤلاء أن هذا الإنحدار المتسارع في الفترة الأخيرة هو نتيجة منطقية بعد أن كشف "حزب الله" هويته السياسية وأثبت أنه لاعب اساسي في مشروع ولاية الفقيه وليس حركة مقاومة كما كان يدعي طيلة العقدين الماضيين.