#adsense

الخطيب والأسير ونصرالله

حجم الخط

ثلاث شخصيات اختصرت ثلاثة أحداث سياسية في الأيام الثلاثة المنصرمة:
أولا، انتخاب مُعاذ الخطيب رئيساً لـ"الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية". لا يمكن توصيف ولادة هذا الائتلاف إلّا كونه حدثاً مؤسساً في الأزمة السورية التي ستخرج معه من الجمود الذي طبعها في الأشهر الأخيرة، وذلك انطلاقاً من ثلاثة مستويات:

المستوى السياسي المتصِل بجهوزية المعارضة لتكون السلطة البديلة. فهذه الخطوة جاءت بعد انتقادات وإلحاح دوليين لضرورة توحّد أطياف المعارضة ضمن إطار واحد يحظى بمشروعية داخلية وخارجية تؤهله أن يؤدي دور الناطق الرسمي باسم النظام السوري الجديد المرتقب، فضلاً عن إعطاء هذه المكوّنات إشارة إلى أن خلافاتهم تبقى تفصيلية أمام القضية التي يناضلون في سبيلها، وأن باستطاعتهم الاتفاق على رؤية مشتركة.

المستوى الديبلوماسي المتصِل بالاعترافات التي بدأت تتوالى والمرشحة للاستمرار وصولاً إلى استبدال عضوية النظام في الجامعة العربية والأمم المتحدة بعضوية ائتلاف الثورة.

المستوى العسكري المرتبط بتسليح المعارضة كَمّاً ونَوعاً وأوّل الغيث إعلان الخطيب حصول الائتلاف على ضمانات خليجية وأوروبية من أجل تسليح الثوار الذين يسعون لإسقاط الأسد، وهذه ليست سوى البداية.

وما لفت في هذا السياق أمران، تسارع التطورات بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية مباشرة، وما أعلنه السفير البريطاني في بيروت توم فليتشر أنّ "العاصفة في سوريا ستشتد صعوبة في الأسابيع والأشهر المقبلة"، هذا الموقف الذي استتبع بنَشر صحيفة "دايلي ستار صنداي" خبراً مفاده أنّ "مقاتلات سلاح الجو الملكي البريطاني يمكن أن تبدأ دوريات في أجواء سوريا قريباً، وأن المرحلة الأولى من الخطة تنطوي على إنشاء منطقة حظر للطيران تتولّى حمايتها قوات بريطانية وأميركية وفرنسية". وإذا كان معلوماً أن البريطانيين يمتازون بالدقة والحرفية، فهذا يعني أن الامور إلى تصعيد في الملف السوري، والاتجاه هو إلى تعطيل قدرة النظام على استخدام طائراته ضد المدنيين.

ثانياً، الاشتباك المسلّح بين أنصار الشيخ أحمد الأسير و"حزب الله" الذي وقع على أثر مطالبة الأوّل إزالة لافتات اعتبرها استفزازية في صيدا. والعبرة من هذا الصدام أنه الأول من نوعه بعد أحداث 7 أيار، لأنّ ما حدث في طرابلس وعكار كان مواجهة مع الشارع السنّي بالواسطة، أي عبر جماعة الحزب الذين يمدّهم بالمال والسلاح. كما أنّ الحزب في 7 أيار سيطر على بيروت عسكرياً من دون أيّ ظهور مسلّح لـ"تيار المستقبل" أو القوى السنية، فيما الأسير كان المبادِر بتحديد الساعة الصفر لإزالة اللافتات الحزبية ونجح في كسب المشهدية على الأرض واكتساب المشروعية السياسية.

وما يمكن استخلاصه من هذه المواجهة أن التعبئة داخل الشارع السني تذكّر بالتعبئة المارونية عشيّة الحرب الأهلية، وأنّ ما حصل في 7 أيار أصبح من الماضي البعيد جداً، وأنّ مواصلة الحزب نهجه الإلغائي والتدجيني والاستعلائي والتفرّدي سيَجرّ البلاد إلى ما لا تحمد عقباه.

هناك مقاربة تقول إن الأسير والحزب وجهان لعملة واحدة، وإن ما يقوم به الشيخ يخدم الحزب إن لجهة إعطائه الذريعة على طبق من فضة أنّ السلاح لا يقتصر عليه وحده، أو لناحية تقوية الحزب للأسير على حساب خط الاعتدال المتمثّل بـ"المستقبل". ولكن هذه النظرية في الواقع قديمة وتعود إلى زمن الوصاية السورية عندما كانت تحرّك كل المكوّنات وتخلق الفزّاعات وتقيم التوازنات، فيما الوضع اليوم مختلف تماما من زاويتين:

أ- الصعود الإسلامي في لبنان ناتج من الصعود الإسلامي في المنطقة والظلامية التي يتعرّض لها على يد "حزب الله" من اغتيال الشهيد رفيق الحريري وصولاً إلى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وما بينهما 7 أيار ومحاولة إعادة تدجين الطائفة السنية. وما تجدر الإشارة إليه أنّ الخطاب السياسي للإسلاميين لا يختلف في الجوهر عن خطاب "المستقبل" من ناحية رَفع شعار الدولة.

ب- يخطئ من يعتقد أن التطرّف يخدم الحزب، كون التطرف يقود إلى الفتنة التي يتجنّبها الحزب، وهو يتجنّبها ليس من باب الحرص على السلم الأهلي في لبنان، إنما من باب إبقاء هَيمنته على البلد كله، لأنّ الفتنة تدفعه للانكفاء إلى داخل مربّعه الطائفي الذي يؤدي إلى انكشاف رأسه أمام الداخل والخارج. فالحزب لم يَتنبّه الى أنّ الخطة التي استنسَخها عن نظام الوصاية السورية انتهى مفعولها في زمن الثورات العربية. وبالتالي، فإنّ خطته لإقفال بَيت الحريري واستبداله ببَيت ميقاتي وكأن شيئاً لم يكن، دحضتها الوقائع على الأرض وكانت خلاف ما تشتهي سفن الحزب، وهذه الوقائع طبيعية، لا بل جاءت متأخرة.

ثالثاً، لا يمكن تصنيف خطاب السيد حسن نصرالله خارج إطار الخطاب التوتيري التخويني يُضاف إليه المزيد من الشيء نفسه، إذ إنّ السيد لم يقل شيئاً عملياً سوى أنّ 14 آذار بمكوّنيها المسلم والمسيحي عملاء لإسرائيل، وحتى انه أعطى الأخيرة شأناً مهماً عبر قوله إنها ليست "خزمَتشي" عند فريق 14 آذار في معرض اتهامه هذا الفريق بأنه يراهن على ضربة إسرائيلية من دون أن يسأل نفسه عن الخيارات التي أبقاها أمامه في ظلّ رفضه تسليم سلاحه.

وإذا كان تصنيف اللبنانيين عشيّة الحرب الأهلية إلى فئتين وطنيين وعملاء ساهم في تسريع الانزلاق نحو هذه الحرب، فإنّ إعادة نَبش هذا الشعار وتجديده يعني بالحد الأدنى زيادة الشرخ الوطني وتعميق الانقسام بين اللبنانيين. ولكن السؤال يبقى عن أسباب التوتر في خطاب السيد نصرالله، هذه الأسباب التي تندرج تحت عنوانين أساسيين: التطورات المتسارعة على خط الأزمة السورية وإدراكه أن الأمور تتجِه إلى مزيد من التصعيد وأنها ستأخذ من الآن وصاعدا مسارا تصاعديا مختلفا، وفك قوى 14 آذار للمرة الأولى منذ العام 2005 أيّ ارتباط نيابي معه ووزاري وحواري، في إشارة واضحة إلى المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته في تطبيق القرار 1559، ورسالة إلى الحزب بوَقف اللعب معه في لعبته المكشوفة بأنّ "البلد ماشي" على رغم الاغتيالات والتصفيات وشَلّ الدولة وخطف القرار السياسي للبنانيين، وبالتالي قوله "مِن كَرم أخلاقنا اننا نقبل ان نجلس معكم الى طاولة الحوار" لا يعدو كونه ردّة فِعل شخصية على فِعل 14 آذار.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل