الحقيقة أن سماحة السيّد حسن نصر الله، كان يتحدّث عن الدويلة لا الدولة، وكان يريد أن يضمّ الدولة الى الدويلة، او يتعاطى معها كأنها كذلك، وهنا تكمن مشكلته مع الآخر في لبنان. المسألة لم تعد محصورة بالمقاومة وإسرائيل، إنها أبعد، و»التشخيص» الأولي خطير وينطوي على بعدين: ترسيخ الحالة الإيرانيّة في لبنان سلاحاً ونهجاً وطموحاً ومصالح، ولمَ لا، طالما أن «عدّة الشغل» موجودة، والأجواء مناسبة، والشعارات «غب الطلب»، ولها جمهورها الذي يصفّق، ويصدّق، ومفاعيلها التسويقيّة رائجة، في أوساط شريحة واسعة من الطائفة الشيعيّة الكريمة في لبنان، والخارج.
أما البعد الثاني: بداية التصويب على كعكة النظام، وحجم «الكوتا» التي يطمح لها الحزب، والتي يرى من وجهة نظره بأنها تتوافق وحجمه ليس على الساحة المحليّة، بل العربيّة والإسلاميّة أيضاً.
«إن سلاح المقاومة، مقابل طائف جديد»، معادلة طرحها وليد جنبلاط مؤخراً، ولم تلق ردود فعل «تنصلّية» من الحزب، بل على العكس «حرارة في الهمس والإبتسام، إستلطافاً للكلام»، وعندما طرحت الإستراتيجيّة الوطنيّة الدفاعيّة على طاولة الحوار، ورد سؤال يومها لم يحظ بجواب حتى يومنا هذا: «ما هو مشروع الحزب كي نبحث في ضوئه في الإستراتيجيّة الوطنيّة الدفاعيّة؟.
لا بل أين حزب الله من لبنان؟، ما هو الحجم والموقع الذي يريد؟، لا بل أي لبنان يريد؟، وحتى الآن ليس هناك من إجابات واضحة وصريحة، بل هناك تدرّج في كشف المستور وفق خطة ذكيّة محكمة، لا بل هناك تأنّ في رفع النقاب عن الوجه الحقيقي للحزب ومشروعه، بمعنى أنه في كلّ مرّة يطلّ فيها سماحة السيّد على جمهوره، والرأي العام، يتعمّد إطلاق بعض الإشارات التي تتماهى في تحليلات شتى من دون الحسم والوضوح، ومقاربة الحقيقة، حتى أنه لم يفصح عن رأيه في الإستراتيجيّة الوطنيّة الدفاعيّة، وأيّ إستراتيجيّة، وأيّ دفاع يريد؟، وعندما طرح رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان نظرته الى هذه الإستراتيجيّة، جاء الردّ سريعا، وعلى خلفيّة أن الرئيس قد تخلّى عن وسطيته، واصبح قريباً من فريق 14 آذار؟!.
ومن هذه الإشارات على سبيل الذكر لا الحصر، أولاً: صدرت قبل فترة مواقف عن مسؤولين إيرانيين تتحدث عن «نفوذ إيراني في لبنان»، ومرّت تلك التصريحات مرور الكرام، من دون أي إستيضاح، او سؤال، او تعليق.
ثانيا: قبل فترة فوجئ الرأي العام اللبناني والعربي والدولي بكلام منسوب الى قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي الجعفري يؤكد فيه على ان عناصر حرسه موجودون في لبنان.
يومها بادر رئيس الجمهوريّة الى إستدعاء السفير الإيراني، وطلب منه توضيحاً رسميّاً، وجاءه التوضيح، وما همّ، طالما أنّ المسألة كلام بكلام، وليس هناك من ضريبة على الكلام.
ثالثا: قبل أن يجفّ حبر التوضيح والتصريح والتصحيح، ظهرت طائرة «أيوب» في الأجواء الإسرائيليّة، والحق يقال إن هذا الخبر أثار نشوة الفخر والإعتزاز عند شريحة واسعة من اللبنانييّن، لكن سرعان ما خطفت طهران هذه النشوة عندما أكدّ خبراؤها بأن «أيوب» إيرانيّة، وانها مجرّد رسالة الى من يعنيهم الأمر تؤكد على مدى تطوّر التكنولوجيا العسكريّة الإيرانيّة في هذا المجال.
أن يكون حزب الله حالة لبنانية صافية فهذا منتهى الإعتزاز الوطني، لكن أن يكون حالة إيرانيّة في لبنان فهذا منتهى القلق عند الشركاء الآخرين، لأنه مساس بأصول وقواعد الشراكة، وإنقلاب على الثوابت الوطنيّة، ولغة الإنقلابات لا تصح في لبنان، وإذا كانت 14 آذار قد إستُهدفت مؤخراً بذريعة محاولات إنقلابها على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، فماذا عن هذا الإنقلاب الخطير الذي يحضّر له الحزب وهو يقود دبابة إيرانية، وطائرة، وصاروخ؟، ومن فوّضه بأن يقبل نيابة عن اللبنانيين ان يكون لبنان تحت الإنتداب الإيراني بحجة المقاومة ومواجهة إسرائيل؟.
أبعد من ذلك، كان سماحة السيّد لمّاحاً الى مسألتين، الأولى: صاغ خطابه على حدّ السيف الجارح في سوريا.
ماذا تغير؟
النظام لا يزال بألف خير، وحاضنته الروسيّة – الإيرانيّة لا تزال بألف خير، وموازين القوى لا تزال هي هي ولم يطرأ عليها أي تغيير، فلماذا يحب أن تتغيّر في لبنان؟.
والثانية: إن الوضع السوري إما الى إنتحار جماعي ينتهي الى تفتيت وتقسيم وفدرلة، او الى تسوية دوليّة كبرى، وإلى أن تتوضح معالم أحد الخيارين، فإنه من المبكر جدّا – وفق حساباته – التفكير في التغيير الحكومي.