جاء كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على التطورات بمستوى السخرية ممن إعتبرهم خصومه، ولولا هذا التوصيف لكان قد ترك أثراً استفزازياً في نفوس هؤلاء. كما كانت لمحطات من كلامه على الوضع العام في لبنان تأثيرات لاسيما بالنسبة الى كل ما عناه عن الحوار وموجباته الوطنية ونظرته إليه بالمستوى الذي لا يلتقي مع غيره، باستثناء الرغبة في حلحلة التعقيدات الداخلية!
من حيث المبدأ، لا جديد في كلام السيد إلا إذا إعتبرنا انه يتنازل لغيره إزاء الحوار السياسي، كون الآخرين ينظرون إليه شخصياً كمشكلة وليس كحل، عندها يكون قد التقى في المشهد الواحد مع أكثر من جهة لا رأي مغايراً له في كل ما أورده من مواقف، خصوصاً عندما تحدث عن مشاريع فتنة يشتغل البعض عليها سنياً والبعض الآخرمارونيا، فيما هناك من يحزم بأن المشكلة في البلد هي شيعية بامتياز، بقدر ما هي ناجمة عن حزب الله وسلاحه، الأمر الذي لم يقدر سماحته على الإلتقاء عليه مع غيره من الأصدقاء والخصوم على السواء.
يكفي القول هنا أن من تصدر المقاعد المتقدمة في إحتفال «الإستماع الى كلام السيد» هم خلاصة خصوم خصومه ممن له أكثر من قصة خلافية مع قوى 14 آذار عموماً، ومع تيار المستقبل خصوصاً، حيث يستحيل الفصل بين الضباط الذين اتهموا بالإسهام في إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري (…) وبنشاط منقطع النظير في الإصطفاف السوري – الإيراني، وهذا يكفي وحده للقول أن خصوم نصرالله وحزبه معروفون بالإسم وبالعنوان من ضمن مجموعة اسماء وعناوين معروفة من لحظة دخول السوريين على خط التهمة كما على خط البراءة منها!
الشيء الجديد الوحيد في كلام السيد هو إعترافه بأن غيره سبقه في المقاومة ولم يقصر في دفع ضريبة الدم. وهؤلاء كانوا في الإحتفال لكنهم غيبوا عن مشروع المقاومة لأسباب لا مجال للخوض فيها طالما أن حزب الله أقفل بابه على مناهضة العدو الإسرائيلي. أما التذكير بهؤلاء الشركاء فقد جاء بمستوى الحديث عن موجبات اشراكهم في مسرحية الحوار التي لا مجال لأن تقارب استراتيجية الدولة، حيث لكل شيء ظروفه ولكل عمل وسائله، وهي غير متوفرة إلا من خلال حزب الله، وهذه الرسالة لم تصل الى من يعنيه الأمر، لأن النظرة الى المقاومة إقتصرت على من تصدى للعدو الإسرائيلي، فيما لم يأت أحد على ذكر من تصدى للعدو السوري والفلسطيني الذي وجد على الساحة اللبنانية لما فيه مصلحة بعض اللبنانيين ليس إلا.
كانت بداية الأحداث الداخلية عندنا راوحت أولاً بين الوطن البديل حيث إجتهدت إسرائيل لأن تعطي لبنان إلى الفلسطينيين، فيما إجتهد بعض الداخل لأن يأخذ لبنان رهينة سياسية قبل أن تظهر مقاومته الداخلية وتعيد الأمور الى نصابها الوطني، ولولا إتفاق الطائف لما كانت الأحداث قد توقفت قبل أن تقضي على أكثر من طرف، وجاءت النتيجة »حكم المناصفة» الذي اسهمت فيه المملكة العربية السعودية والدولة السورية، قبل أن ينقلب الشقيق الأقرب على خلاصة إتفاق الدوحة الذي نتج عن إعادة التفاهم الإسلامي – المسيحي الذي إن اعجب البعض فإنه أضاع على السوريين فكرة حكم لبنان وتفكيكه بعدما ظهرت بوادر إتفاق سني – مسيحي عبر نجاح تكتل 14 آذار، فيما بقي في الأفق من لم يرض بأكثر من 8 آذار لتصفية حسابات الداخل والخارج!
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الربيع العربي قد عاد وانطلق من لبنان ولا يزال يضج في غير مكان عربي، خصوصاً عند «الأخوان السوريين» حلفاء قوى 8 آذار والإيرانيين الذين دخلوا الحرب الإقليمية من بابها الواسع (…) باب حزب الله وسوريا في وقت واحد.
المهم أيضاً في كلام سماحة السيد أن الأحداث في سوريا لم تقنعه (…) ولا اقنعته الحال التراجعية في إيران، ما أفقده عامل الحسم في الداخل، من غير حاجة الى إتهام بأن حزب الله هو من ارتكب ويرتكب جرائم الإغتيال التي تتطلب أكثر من الصراخ والعويل للحصول على البراءة الملطخة حتى الآن بدماء العشرات من السياسيين.
وإذا كان من مجال لنيل البراءة، فإن الذي يعطيها هو القضاء وحده من دون حاجة الى التلويح بالسلاح وبالتالي استخدامه عندما يحين الوقت اللازم لذلك؟!