#adsense

اللعب بالنار يكوي المواطنين

حجم الخط

 مسرحية ما يسمى سلسلة الرتب والرواتب المستمرة منذ أشهر يمكن ان يعتبرها البعض كوميديا مستمرة انما هي في الحقيقة مسرحية سوداء من شأنها أن تدفع لبنان نحو السقوط في هاوية الكساد، وحينئذ لن تكون الانتفاضة للانطلاق في مجالات النمو سهلة.

دراسة مصرف لبنان عن آثار تنفيذ الزيادات المقترحة عززت الاقتناع بان الزيادات سترفع معدل التضخم، وتؤثر على سعر صرف الليرة، وتزيد حجم عجز ميزان المدفوعات، وتصل بالمديونية العامة الى ما يفوق 150 في المئة من حجم الدخل القومي، الامر الذي يؤدي الى خفض تصنيف لبنان لدى مؤسسات التصنيف الدولية، فترتفع الفوائدعلى اصدارات الدين العام. وكل نقطة من زيادة الفوائد تعني بالنتيجة تحميل لبنان 500 مليون دولار من التكاليف الاضافية لخدمة الدين، وتصبح معدلات الاستدانة لتنفيذ المشاريع باهظة الكلفة وينخفض معدل الاستثمار ويغرق البلد في كساد لم يعرفه من قبل، وتتفاقم هجرة الشباب.

ان هذه النتائج الكارثية واضحة لأي مراقب اقتصادي ملم بترابط الكلفة مع الانتاج ومعطيات الاقتصاد الكلي التي تتجاوز في أهميتها مؤشرات العمل الاقتصادي القطاعي أو المؤسسي. واقرار سلسلة الرتب والرواتب يقذف بلبنان الى الكساد الامر الذي يلغي وكالة النواب عن مصير اللبنانيين.

مسؤولية طرح حل يرفع كلفة أجور القطاع العام الى المستوى المتداول تبدو ضائعة، فليس ثمة وزير أو كتلة وزراء يتبنى المطالب.
عنوان المطالب "الرتب والرواتب" وقد كررنا مراراً ان الرتب تفيد عن مقاييس للكفاية، والعلم، والمواطنة ومدى مسؤولية الموظف الاشرافية والتنفيذية، والادارة العامة اللبنانية في هيكليتها الاساسية وتوابعها من المؤسسات العامة تشمل 240 الف موظف ومتعاقد، وهذا العدد تفوق نسبته الى مجموع الايدي العاملة الـ20 في المئة، في حين أن هذه النسبة توازي 7 – 8 في المئة في البلدان المتطورة التي يراوح عدد سكانها بين أربعة ملايين و10 ملايين نسمة.

والاوضاع الامنية والتحديات المصيرية فرضت زيادة عديد القوى العسكرية، سواء في الجيش أو قوى الامن الداخلي، الى مستويات مرتفعة قياسا بمجموع السكان، وهذا التوجه مستمر حتى تاريخه وفي المستقبل المنظور والزيادة تستوجب تأمين التجهيز المتطور البالغ الكلفة.

ما بين الموظفين والمتعاقدين هنالك فقط 8900 وظيفة تتمتع بوصف وظيفي وشروط لانتقاء من يعينون، وسائر الموظفين والمتعاقدين يتولون اعمالهم بناء على وساطات الوزراء والكتل النيابية والتزاماتهم، والجميع حالياً ومع قرب موعد الانتخابات يسعون الى حشو الوظائف إن بالتعاقد، أم بزيادة التلزيمات، أم بزيادة عدد الخبراء والمدققين، وغالبية هؤلاء لا يحوزون أهلية لممارسة وظائفهم.

الادارة اللبنانية مترهلة، والادارة اللبنانية منخورة بالفساد، وكل موظف له سلطة تتمثل في توقيع قد يكون غير ضروري يتصرف كسلطة في مقابل حاجات المواطنين. فالمعاملة البسيطة التي يفترض ان تنتهي خلال عشر أو عشرين دقيقة تستغرق بحجة انشغال الموظف المعني اياماً وأسابيع ما لم يؤد المواطن الجزية لهذا الموظف.

حضرة السادة النواب، وحضرة المسؤولين عن تأمين الشأن العام، لقد تغاضيتم عما هو نافع ومطلوب واستسهلتم حشو الادارة دون ترتيب وتحديد لادوار الموظفين والمتعاقدين، واليوم تواجهون مطالب مرتفعة الكلفة ولا تبادرون الى مصارحة الموظفين والمتعاقدين بعدم القدرة على الايفاء، كما لا تبادرون الى محاولة تحسين الادارة بالفعل لا بالقول.

ان عمال وموظفي القطاع العام يتقاضون اجوراً تقرب، وفي احيان كثيرة تتجاوز، المعدلات المتوافرة في القطاع الخاص، وهنالك نسبة مرتفعة من الموظفين يعملون خارج القطاع العام وبصورة مخالفة لعقودهم والتزاماتهم، في وظائف مماثلة تتآكل من تركيزهم على عملهم الاساسي، وهذا الامر يتجلى بين المعلمين.

وهنالك متعاقدون وموظفون مع مؤسسات لا تعمل أو هي متوقفة عن العمل منذ عشرات السنين، وليس ثمة من يحاسب أو يسعى الى الغاء اعباء هذه المؤسسات أو الهيئات. وليخبرنا أي وزير عن نشاط موظفي السكك الحديد، وليبين لنا رئيس بلدية بيروت انتاج فرق صيانة الارصفة والمجارير، وليبين وزير الاعلام كلفة كل تصريح صدر عن هيئة الاعلام المرئي والمسموع. وفي المناسبة، ليخبرنا وزير الاعلام، وهو رجل نزيه ومقتدر، عن اعداد المتعاقدين ممن يحظون برواتب واجور ولا يفدون الى الوزارة الا لقبض رواتبهم. وليبين لنا وزير الاقتصاد منافع توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي المستمر منذ خمس سنوات على الاقل على ظهر رئيسه.

ولعل المظهر الاساسي الذي يوضح عمق المشكلة وعدم المعالجة حتى تاريخه، يتجلى في تصريحات وزير العمل المعني بصورة رئيسية بهذا الموضوع. فهذا الرجل المعروف عنه انه رجل قانون متعمق، لا يصرح بشيء عن موضوع الاجور، سوى القول ان الاضرابات عمل سلبي، وان الحقوق لا بد ان تتوافر للعمال والموظفين.

ومن ثم فهو يصرح كثيراً عن الاتصالات للافراج عن اللبنانيين المخطوفين في سوريا، وربما عن حال الطقس المتوقعة وآثارها على الانتاج الزراعي، لكنه لا يقارب موضوع الرتب والرواتب وتاثيرات تكاليف البرنامج المطروح على الاقتصاد اللبناني ومستقبل لبنان.

النقابيون عندما باشروا تحركهم كانوا يطالبون بزيادات بنسبة 50 في المئة وهم على اقتناع بان حصولهم على نسبة 30 في المئة سيعتبر انتصاراً. واذا بهم ينتقلون الى مستوى 70 في المئة دون تفسير أو تبرير. ووزير العمل انتقل الى تقديم جردة بـ80 بنداً ضريبياً اضافياً، كي ينتقي الوزراء منها البنود التي تغطي الكلفة، والبحث منصب على الكلفة الجارية دون تقدير لخدمة الدين الذي سيترتب من زيادة الاجور على مستوى تعويضات نهاية الخدمة. حضرة المسؤولين، انكم تجازفون بمستقبل لبنان، وقدرته على المنافسة المنتجة وعلى تحسين مستويات الخدمات العامة، وتجازفون باستقرار سعر صرف الليرة، وانضباط الاسعار الى حد ما، وتجازفون بفرص العمل وتطلعات الشباب.

تفعلون كل ذلك وثمة فرص حقيقية للنمو وتحسين بيئة العمل وظروف المعيشة في لبنان. ثمة فرص كبيرة لتطوير خدمات الهاتف، وتطوير موارد المياه، وتحسين النقل العام، وتبني مشاريع مهمة لانتاج الكهرباء بدل تسريب الفرص لاصحاب المولدات الخاصة على حساب العائلات اللبنانية.

بدل تفويت فرص النمو وتعريض فرص العمل للانتقاص، ودفع معدلات التضخم الى الارتفاع، حولوا انظاركم، حضرة المسؤولين، أكنتم سياسيين أم اداريين، الى فرص تحسين حياة اللبنانيين، وليس بين الكتل والتيارات السياسية من وضع برنامجاً انمائياً تطويرياً حتى تاريخه، بل بالعكس هنالك تيارات وأحزاب تمارس نشاطات ترتكز على نهب موارد الدولة وتحويلها لمصلحة هذه التيارات والاحزاب على حساب الوطن واستمرار الدولة في لبنان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل