لن أتكلم كثيراً عن هذا الموضوع لئلا يُصبِح الأمرُ مديحاً من ناحية وهجاءً من ناحية أخرى، ولكن سأكتفي بالإضاءةِ على نقتطين فقط تَختصِران كلّ ما يُمكن أن يُقال في هذا المجال.
بعد انتخابات حزب "الكتائب" والتي تلاها إقتحام المجلس الحربي سنة 1992، وبعد انفجار البيت المركزي الكتائبي ومحاولة إتّهام "القوات اللبنانية" بالعملية قبيل عيد الميلاد العام 1993، وبعد رسائل التحذير الكثيرة التي كانت تَصِل الى غدراس وكان أبرَزها وأوضحها الرسالة التي بَعثها الرئيس الهراوي مع بيار الضاهر: "بَعدني واصل من سوريا، الجو كتير أسود وشايف عاصفة كبيرة جايي، طلاع لعند صاحبك (الحكيم) وقِلّو يضُب غراضو ويفِلّ بأسرَع وقت ويضَلّ بَرّا تا كنّا شِفنا شو بدّو يصير"، أدرك الحكيم أنّ المواجهة مع النظام السوري أخذت منحاً جديداً وأصبحت مواجهة كسر عضم.
بعد انفجار سيدة النجاة في زوق مكايل في 27 شباط 1994، تَوالَت الحوادث بسرعة كبيرة وصولاً الى حلّ "القوات" واتهامِ قائِدها وعَددٍ كبير من القياديين والعناصر بالتخطيط وتنفيذ الجريمة. بدأت مساعٍ حثيثة لإقناع الحكيم بالهروب الى الخارج أو اللجوء الى أحَد السفارات، ولكن كلّ المساعي لم تكن تلقى آذان صاغية من الحكيم، لأنه كان يُدرك تماماً أنّ كلّ ما حَصَلَ في الحرب سيُلقى عليه وعلى "القوات". فقرّرَ الذهاب في المواجهة حتى النهاية مهما كان الثمن. فكان الثمن 4114 يوماً في السجن الانفرادي تحت الارض في ظروف نفسية، غذائية، اجتماعية قاسية جداً لا يمكن تحمّلها، إضافةً الى آلاف الشباب الذين سِيقوا الى دهاليزِ وزارة الدفاع ومعظمهم خَرج منها بأعطالٍ جسدية أو حتى … شهيداً كما الرفيق فوزي الراسي، او الذين عاشوا النفي في اصقاع العالم.
في الشهرِ الاخير من وجود ميشال عون في قصر بعبدا، وبِحُكم علاقته مع سوريا وحلفائها الذين كانوا يُزوّدونَه بالذخيرة والمازوت وغيرها خلالَ حرب الإلغاء، كانوا ينقلون له الرسائل والأجواء بأن القرار بإنهاء حالة التمرّد اتُّخِذ. وكان الاتفاقُ وشيكاً ويقضي بتسليم قصر بعبدا للشرعية، على أنّ يَستَلِم عون قيادة الجيش من دون أي ضربة كفّ.
في ليلته الأخيرة في قصر بعبدا، صرّح ميشال عون ما حَرفِيتُه: "ما حدا مُلزَم يبقى بلبنان، ساعتا وقتا الكل بيفلّوا ويبقى العماد عون لوحدو، ساعتا يا هوي بيسلم يا بيلحَقُن، بس أنا آخر واحَد، أنا القُبطان، أنا آخر واحد بترك لبنان، إذا بدّي إتركو، بَسّ أنا ما رَحّ إتركو، لأن صمّمت انّي إندفن هون، وإندفن بمركز قيادتي."
في الصباحِ الباكر وعند صياح الدّيك، كان الجنرال أولَ المغادرين الى السفارة الفرنسية، ومن ثمّ الى منفاه المُخمَليّ في فرنسا، حيث أمضى سنيناً طويلة يعيش في الرخاءِ والبحبوحة في فيلّا فخمة مع عائلته، طليقاً حُرّاً يتنقل كما يحلو له، مُضحّياً بكلّ الشعارات التي أطلقها منذُ أنّ استَلَم السلطة حتى ليلةِ فِرارِه، مُضحّياً بِخيرةِ الشباب في الجيش الذين اختُطِفوا أو استَشهَدوا في المعاركِ الأسطورية ضِدّ الجيش السوري بناءً على الأوامر التي أعطاهم إياها قبل هروبه. حتّى بعد أن أصبح في السفارة، لم يُكَلّف نفسه تبديل هذه الأوامر مباشرةً على أجهزة الإتصال العسكرية وإنما فضّلَ أن يزيعها على الراديو، ولو فعل لكان وفّر مئات القتلى والجرحى والمخطوفين ودموع آلاف الأشخاص التي ما زالت تنهمر حتى اليوم.
الحلقة المقبلة تحت عنوان: حكيم وجنرال! "قوات" و"تيار"!… بين حزب مقاوم وتيّار شخصاني.
الحلقة الأولى: حكيم وجنرال! "قوات" و"تيار"!… في العلم والمعرفة واللياقة".
الحلقة الثانية: حكيم وجنرال! "قوات" و"تيار"!… في الإلتزام والشجاعة والإقدام.