#adsense

حزب الله”.. يَخون ويُخوّن

حجم الخط


 

كتبت صحيفة "المستقبل":

إنغماس "حزب الله" في المعترك السياسي الداخلي بدءاً من مرحلة انسحاب القوات السورية من لبنان حتى الآن، كشف الوجه الحقيقي لهذا التنظيم السياسي والأمني والعسكري، وبدد الصورة التي علقت في ذهن الرأي العام اللبناني والعربي والإسلامي، والتي رسخت في العقول تجربة نموذجية في المقاومة وتقديم التضحيات الغالية دفاعاً عن لبنان وأرضه وشعبه.

المؤسف أن هذه التجربة المخيبة في الداخل، وتورط الحزب في عمليات أمنية في عدد من الدول العربية والغربية، بددت الصورة التي عرف بها هذا الحزب لسنوات، لا بل محت من أذهان أكثرية اللبنانيين والعرب كل إنجازاته، والمؤلم ايضاً أنها نسفت التضحيات الغالية التي دفع شهداؤه ثمناً لها في مرحلة ما قبل التحرير، لأن ممارساته في الأعوام السبعة الأخيرة التي جرّت على لبنان الويلات، أثبتت أن الحزب لم يكن يقدم هذه التضحيات وكل قافلة الشهداء دفاعاً عن لبنان، إنما خدمة للمشروع الأسمى الذي هو مشروع ولاية الفقيه، ومشروع الإمبراطورية الفارسية الآخذة بالتمدد من أجل السيطرة على المنطقة وثرواتها من المحيط الى الخليج.

مناسبة هذا الكلام، هو النموذج غير الراقي الذي قدمته قيادة "حزب الله" بدءاً من الساعة الأولى التي تلت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مروراً بمهرجان "شكراً سوريا" ومن ثمّ استدراج حرب إسرائيلية مدمرة على لبنان في تموز 2006، وصولاً الى شلّ البلد وتعطيل المؤسسات الدستورية عندما استقال هو وحلفاؤه من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وإقفال المجلس النيابي بهدف تعطيل إقرار قانون المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي أتبعت بتطويق السرايا الحكومية واحتلال وسط بيروت التجاري، الذي أدى الى إقفال مئات المؤسسات التجارية والسياحية وصرف الآلاف من عمالها وموظفيها، وصولاً الى السابع من ايار "المجيد" واحتلال بيروت وبعض مناطق جبل لبنان، وقتل حوالى مئة شخص من أجل قلب المعادلة السياسية التي أنتجت اتفاق الدوحة، وصولاً الى هذا الانقلاب على هذا الاتفاق من خلال العودة الى استخدام "حزب الله" لسلاحه في الداخل في عائشة بكار وبرج أبي حيدر وفي طرابلس، والانقلاب على نتائج انتخابات العام 2009 عبر إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بالقمصان السود، وتنصيب حكومته وحكومة سوريا التي يرأسها نجيب ميقاتي.

الممارسات الأمنية المظلمة بتاريخ الحزب، انسحبت على أدائه في السياسة داخل الحكومة الميقاتية، التي أريد لها أن تكون المؤسسة الدستورية التي تتولى وظيفة ثلاثية الأهداف، الأول حماية قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وتوفير الملاذ الآمن لهم، والتغطية على المشتبه به بمحاولة اغتيال النائب بطرس حرب، وحجب داتا الاتصالات عن الأجهزة الأمنية وهو ما وفّر للقتلة حرية التحرك لتنفيذ عملياتهم التي كان آخر ثمارها اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن، والثاني تمثيل النظام السوري في سياسته الداخلية وغضّ الطرف عن جرائمه بحق اللبنانيين في الشمال والبقاع، أما الهدف الثالث فهو تقاسم المغانم والمكاسب السياسية، إن كان في التعيينات الإدارية والقضائية والسلك الدبلوماسي وهيئة إدارة قطاع النفط، وإن بصفقات بواخر الكهرباء، وإن بحماية مافيات الكابتاغون والأدوية المغشوشة والمزورة واللحوم الفاسدة التي فاحت روائحها وطاولت قياديين بارزين في "حزب الله" وأشقائهم وأقاربهم.

كل ما ذكر آنفاً في كفّة ومنطق الحزب وقادته في كفّة أخرى، ولا يخفى على أحد أن السيد حسن نصر الله ونوابه ووزراءه، كلما فقدوا الحجة والمنطق السياسي في مواجهة الخصم لجأوا الى تخوينه واتهامه بالعمالة لإسرائيل، وهذه اللازمة ما انفكوا يرددونها منذ نهاية حرب تموز وحتى اليوم، وكل المنابر تشهد على ذلك سواء في الحوار وفي الجلسات العامة للمجلس النيابي وفي خطابات السيد ومؤتمراته الصحافية ومقابلاته التلفزيونية وحتى في المناسبات الدينية، ومنها خطابه الأخير الذي اتهم فيه مسيحيي "14 آذار" بالتحريض على الفتنة السنية – الشيعية وإصراره على نبش الماضي وانتقاء ما يحلو له من هذا الماضي، وتذكير الدكتور سمير جعجع بتاريخه سواء في الحرب الأهلية أو في التعامل مع إسرائيل، لكن الغريب أن السيد نصر الله وكل المسؤولين في حزبه يضيق صدرهم لمجرّد أن الردّ عليهم بالوقائع والتواريخ والأدلة، وتذكيرهم بماضيهم غير المشرق، وهو الماضي الدموي بكل ما للكلمة من معنى.

إذا كان من حق نواب "حزب الله" أن يستشرسوا في الدفاع عن سيدهم وعن حزبهم، فإنه لا يحق لهم أن يذهب ردهم الى حدّ تهديد من فقدوا الحيلة لمواجهته بالسياسة، والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه في هذا المجال، لماذا يستطيب "حزب الله" أن يذكّر أخصامه ومنهم سمير جعجع على وجه التحديد بتاريخهم "الدموي" كما يدّعي، في حين يصاب مقتلاً عندما يتحدث هذا الخصم عن تاريخه وجرائمه التي لا تمت الى المقاومة بصلة؟ غريب أن يصف النائب نواف الموسوي الدكتور جعجع بـ"السجين السابق"، وأن يتحداه في طلب إعادة محاكمته، لكن النائب الفذّ يتناسى أن تهديداته والجرائم التي ارتكبها حزبه إبان الحرب الأهلية التي لا ينكر جعجع انغماسه فيها لألف سبب وسبب، إنما في هذه الأيام، كفيلة بزجّه في السجن المؤبد أو كفيلة بأن تسوقه الى الإعدام لو لم يحتم بسلاحه.

كيف يحقّ للنائب الموسوي وحزبه أن يقارنا بين من حوكم على جريمة في زمن الحرب بغضّ النظر عن صحة الاتهام الذي واجهه جعجع أو عدمه، وبين جرائم اغتيال نفذها قدّيسو "حزب الله" طاولت الرئيس رفيق الحريري وجورج حاوي ومعها محاولة اغتيال النائب مروان حمادة في زمن السلم والازدهار، والحبل لا يزال على الجرار؟ وفق أي معادلة اغتالوا هؤلاء ولمصلحة أي نظام؟ إذا كان جعجع انخرط في الحرب خوفاً على الوجود المسيحي في لبنان، فبأي معيار نفذ "حزب الله" اجتياح السابع من ايار وبوجه من وأي سلاح كان يواجه مقاتليه المدججين الذين قتلوا ونهبوا ونكلوا وعاثوا فساداً في المؤسسات الإعلامية والصحية والإنسانية لخصومه؟ ربما تطول قائمة ارتكابات الحزب وعلى أعلى المستويات، لكن في الخلاصة ينبغي أن يقتنع "حزب الله" بأن أسلوب التخوين والاتهام لن يوصل الى مكان لأن من كان بيته من زجاج عليه ألا يرشق الناس بالحجارة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل