#adsense

الثورة السورية تتجدد بائتلافها الجامع

حجم الخط

عندما أعلن ائتلاف القوى الثورية والمعارضة السورية في الدوحة تذكرت الثورة الفلسطينية عندما حققت توحيداً لفصائلها تحت شعار "الثورة الفلسطينية" هي الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني". ونتذكر توحيد قوى المعارضة الليبية تحت الشعار نفسه ونتذكر ائتلاف "المقاومة الفرنسية" ضد الاحتلال النازي، عندما كان على هوامشها "المتعاملون" الرسميون مع هتلر… نتذكر كل هذه الخطوات الميدانية السياسية. عندما تمّ ائتلاف قوى الثورة السورية بقيادة موحدة وبمشروع نضالي واحد. هذا الائتلاف لم يعد مجرد سعي لأنه فور اعلانه اكتسب اعترافاً من الجامعة العربية، ومن بعض الأنظمة الغربية باعتباره "الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري" بمعنى آخر، انه يمثل مجمل الفاعليات والطاقات السورية في مواجهة النظام المتهاوي على مختلف الصعد العسكرية والسياسية والثقافية. لحظة تاريخية؟ نعم! لحظة مبشرة مفتوحة على تسريع سقوط نظام البعث؟ نعم! انتزاع شرعية النظام شعبياً وعربياً ودولياً. بات النظام بلا غطاء. بلا سقف. سوى ما تبقى له من أسلحة فتاكة من طيران ومدافع ودبابات يدك بها المدن والقرى. من دون أي رحمة ولا حساب. كأن هذا النظام لم يتبق له من أمكنة سوى الطيارات المقاتلة والدبابات. خانته الأرض كما خانها: نظام بلا أرض ولا شعب ولا حتى دولة. نظام بلا نظام. فمن أين يأتي بشرعية بلا أرض ولا شعب ولا دولة سوى من أنظمة هي من فرط ما "دعمته" زادت من نوازعه الانتحارية ومن مغامراته العبثية، ومن جنونه الدموي كروسيا وايران اللتين لم يسلم شعباهما من قمعهما وفسادهما: وهل ننسى امتثال حزب الله للإرادة الإيرانية ومشاركته في قتل الشعب العربي، العروبي السوري، تحت شعار "جهادي"؟ والهي… وقدسي (دام ظله وقدسيته إلى أبد الآبدين، آمين).

فهناك إذاً انتحاري مقابل ثورة حية. نظام متهاوٍ مقابل شعب ناقص، هنا أرض مضرجة بدم الشهداء مقابل نظام أهدر دم ناسه. إذاً، تقابل وجهتين، واحدة تمشي القهقرى وأخرى تتقدم، حتى بدا ان الثورة باتت تسيطر على أكثر من ستين بالمئة من أراضي وطنها. أو بالأحرى استعادت ستين بالمئة من أرضها السليبة. وبقدر ما تسجل الثورة انتصارات على الأرض، وأخرى عربية ودولية باتت كأنها اليوم هي الوجه المعبر الوحيد عن سوريا الغد. هي بأحزابها ومكوناتها وتعددياتها المدنية والسياسية والحزبية والعسكرية، وكأنها المُجسّم الذي يمكن أن تكون على مثاله سوريا القادمة. سوريا الجمهورية العربية الديموقراطية المتنوعة الخصبة، الحرة، التي تعيد إلى شعبها حقوقه في اختيار مصيره وحكامه ورموزه وبرلمانه وسلطته ومؤسساته. بمعنى آخر فهذا الشعب السوري العظيم، الذي أُقصي على امتداد عقود من تحمل أي مسؤولية أو اي قرار ها هو اليوم يصنع دوره. أو الأحرى يسترجع دوره، يختار دوره. يقرّر دوره. بعدما كان مهمشاً، يُستدعى كالقطعان ليبصم ما يشبه استفتاء مزوراً على القائد بـ 99,99 بالمئة. الائتلاف بتركيبه. وَدَّع 99,99 بالمئة . وَدَّع حكم الواحد الأحد الموحد السرمدي الأبدي المتربع على شعبه وكأنه جبال من الاشياء. ومن النوافل. ودّع العائلات "الثورية" أو غير الثورية الديموقراطية بفاشيتها "المتعددة" بأحاديتها "المتمكنة" بنزعة استعمارها لأهلها.. وعلى الرغم من ان "الائتلاف" خاض مخاضاً طويلاً مؤلماً ومؤسفاً قبل ان تجتمع مكوناته في هيكلية موحدة وبقيادة منتخبة، فإن ظهوره اليوم وفي هذه الظروف بالذات، التي يمعن فيها النظام باستخدام آلة القتل والدمار استخداماً بربرياً، والتي يسجل، في الوقت ذاته انحساراً متسارعاً في سلطته، وهيمنته على الأرض، يعبر تعبيراً عميقاً عن وحدة المقاتلين في الداخل والخارج. وهذا انعكاس على وحدة الإرادة الشعبية السورية، في التقدم نحو توحيد مواجهتها، مسلحة هذه المرة، باعترافات دولية وعربية قل نظيرها لثورة ما زالت مندلعة منذ قرابة سنة وثمانية أشهر. ولعّل تطابق القيادة المنتخبة والقواعد المقاتلة والتنسيقيات والناس هي في ذاتها انتصار في الوقت الذي يتفكك النظام وينهزم في مناطق حساسة، وصولاً إلى بعض قرى الجولان. لكن هذه الحقائق، التي ما زالت تخضع للمد والجزر. وعدم الثبات والتدعيم (هنا أو هناك) أي هذه الوقائع الميدانية التي على الرغم من تأكيدها ما زالت "متحركة" بكل الاتجاهات التكتيكية، وسواها، بات من الضروري، تحصينها باقامة توازن بالسلاح، نوعاً وكماً، يتمكن به الثوار من كسر الخلل مع ما يمتلك النظام مدعوماً من ايران وروسيا… وهنا بالذات دور الائتلاف. لأن هناك عدم توازن بين سلاح الميادين وبين الاجماع الدولي على الائتلاف. فالأنظمة والجهات التي ساعدت هذه الهيئات على التوحد، ما زالت مترددة في امداد المحاربين الميدانيين بما يحتاجون إليه من عتاد وأسلحة وذخائر. وهنا مكمن الخلل. كيف تسعى هذه الجهات العربية والأجنبية إلى تدعيم الائتلاف معنوياً وشرعياً وسياسياً وتتردد في تسليح الجناح العسكري الذي اجتمع في قيادة واحدة؟ أكثر: هل يُعزّز "الائتلاف" عربياً ودولياً (ازاء عزلة النظام) وتُحجم أو تتردد هذه الجهات في تعزيز الائتلاف ميدانياً، وهنا بالذات، قد تبقى وسائل الدعم منقوصة: اعتراف رسمي عربي وغير عربي بالثورة كممثل وحيد شرعي لسوريا… وفي المقابل، شح في تأمين ما يُكرّس هذه الخطوات المهمة في الواقع القتالي. عندها، واذا استمرت هذه الحال، يصبح "الائتلاف" معنى نظرياًُ او مجرد أداة اعلامية، تنفخ منعزلة عن متطلبات الثورة.. فما يجري في سوريا. لم يعد مجرد ثورة شعبية لاسقاط النظام، ولا تحركات ولا تظاهرات سلمية فحسب لكن، ومع استمرار ذلك، فقد حوله النظام إلى حرب ابادة، لم يشهد العالم العربي مثيلاً لها (إلا ربما في ليبيا) بحيث تراجعت التظاهرات وتقدمت لغة المواجهة العسكرية، فالتأييد اللفظي العربي وغيره لثورة باتت مسلحة لم يُعد كافياً (كما حدث في تونس وإلى حد ما في مصر واليمن). واذا كان تزويد المعارضة سلاحاً ضرورياً، لكن تبقى الجبهات الشعبية الصامدة في الداخل، والنازحة إلى الخارج، في حاجة إلى المساعدات الانسانية، والرعاية الشاملة من غذائية وطبية ومن تأمين أماكن سكن ومن لوازم تعليمية. وإذا كانت الأرقام المتداولة صحيحة والتي تدل على أنه بات هناك مليونان ونصف لاجئ داخلي و400 ألف لاجئ خارجي، وان 700 ألف منزل دمِّر وان مدناً كبرى سُويّت بالأرض، كحمص وحماة وبعض ريف دمشق، وادلب، فهذا يعني ان على كاهل هذا الائتلاف مهمات متعددة وطارئة: 1) السلاح، 2) المساعدات الانسانية، 3) الدعم المالي، 4) الدعم المعنوي… وهذه الحاجات ستتفاقم أكثر فأكثر اذا طالت انتظارات الثوار ولو نسبياً في اسقاط النظام الذي قرر، كما يبدو، تدمير كل سوريا بشراً وحجراً قبل نهايته بمنطق شمشون، علي وعلى شعبي يا رب! يا إيران! ويا روسيا! صحيح انه بات واضحاً ان الشرعية الشعبية قد فقدها النظام. لكن متى كان يقيم وزناً لمثل هذه الشرعية عندما كان يُعين نفسه، في القيادة والرئاسة ويعين مجلس الشعب والحكومة بانتخابات صورية لكن الصحيح ايضاً أن "شرعية" ما عسكرية قوية ومالية (من إيران وروسيا) ما زالت تدغدغ آماله" أو اوهامه، وهنا بالذات الخطورة: فازاء هذه النزعات التراجيدية، الفتاكة عن آخر ما "بعث" الله من كوارث علينا، (حزب البعث السوري والعراقي!) واذا تركت بقايا قواته الخاصة (ليس هناك جيش نظامي عمومي في سوريا.. هناك جيش نظام خصوصي وهذا ما نكرره ويكرره الآخرون منذ عقود: أي جيش يحمي اهل النظام.. لا الناس ولا الحدود: والدليل الجولان! وقبلها لواء الاسكندرون!) وهنا يبدو الاصرار الحاسم لكي يسعى "الائتلاف" الى وضع رؤية شاملة تضم مختلف الاعتبارات الدائمة والطارئة، فالشرعية لا تؤخذ مرة واحدة تماماً كالديموقراطية، ولا تُصنع مرة واحدة. ولا تُمنح لكي تؤخذ. ولا تتقدم لكي تتراجع، تؤخذ لترسخ وجودها في المستويات كافة، اي بتحركات متوازنة أو متوازية، لكي لا يشوبها خلل في عناصرها، والذي قد يؤثر على مجمل التحركات الثورية، فالشرعية الشعبية هي البقاء على تماس مع واقع الناس والمقاتلين ومتطلباتهم ونوازعهم بحيث تتطور لديهم اشكال اللقاء الدائم والعضوي بين القواعد والقيادات. وهذا بالذات ما يُسهم في عملية اندماج مختلف "الكُتل" والكيانات والاتجاهات في ما يسمى (تيمناً بغرامشي) الكتلة التاريخية التي تلتقي فيها كل الشرائح المعنية من عمال وفلاحين ومثقفين وموظفين… وطبقات تماسكها تبقى في حركة دائمة، من التفاعل والتبلور. ذلك ان الاستقطابات الكبرى في الثورات أو في الانتفاضات أو في الظواهر الأخرى تبقى هشة، ومهددة بالانفراط أو الوهن، إذا لم تغذها هذه العناصر الحية، من رؤيا واضحة. ومن اصرار حاسم ومن علاقات ديموقراطية، هذا بالذات ما يقوي الأواصر ويرتب الأمور، ويوفر التضامن، والتماسك بل هو الذي يبلور شيئاً فشيئاً معاني الشغف بالحرية وبالأرض وبقدرة الناس على قيادة التغيير. ونظن ان "الائتلاف" ومعه "المجلس الوطني" وهيئات التنسيق السورية، اذا قطعت شوطاً بعيداً في هذا المضمار كان للمقاتلين في الميادين النصيب الأكبر في الانجازات، فان السعي اليوم وعلى مختلف الصعد وبدون افتئات الى انتقال هذه الشرعية من ميدانية وسياسية وثورية إلى شرعية متكاملة، أو إلى سلطة تنبع من علاقة هذه الكيانات بالأهداف الرئيسية خارج منطق الصراع إلى منطق توحيد التعددية او تعديد التوحيد. الشرعية المتكاملة التي تبحث عن وجودها أكثر فأكثر في المستقبل. وتبحث عن حقوقها في ما تفرزه الأحداث والظواهر المعروفة أو الطارئة، لكي تكون مهيأة لكل الاعتبارات التي يمكن ان تخرج من هذه التعددية بالذات، التعددية الدينية والايديولوجية والاثنية والحزبية والمناطقية وحتى العشيرية. فهذه كلها جسم الثورة فلا تقع في المستقبل في "الفجاءة" أو في غير المتوقع… كما يحدث، إلى حد ما، اليوم في ليبيا، أو في تونس أو في مصر. وهذا يتصل أصلاً بمعاني السلطة. فهذه تكون واحدة لا أحادية. تكون واحدة لأنها نابعة من التعدد، فالتعددية الفاعلة، المبدعة، الحية، الغنية بتفاعلاتها لا تؤدي إلى سلطة واحدة إلا لكي تبقى السلطة متماسكة على تعدديتها، أي مفتوحة قابلة للتغيير، على قدر الحقائق والوقائع المتغيرة. وهذا بالذات ما يبعدها عن "الاستئثارية او بكلام آخر عن "الديكتاتورية" او الشمولية… (كما وقعت في معظم ثورات القرن العشرين) او كما يتناهى اليوم الينا من محاولة"الإخوان المسلمين" في مصر أو في تونس، عبثاً الانفراد بالسلطة، والانفراد بإرادة التحول، بمعزل عن كل المكونات اليمينية والدينية والطائفية والليبرالية واليسارية التي صنعت الثورة. (هذا ما فعلته الستالينية والنازية والخمينية والبعثية في العراق وسورية…) فالوقوع في كمائن "شمولية" مركبة من حيث تفاعيلها المحبطة، هو الذي يؤدي الى هذه العودات الأبدية ذات الخلفيات الثنائية، لتحبط مفاعيل اليوتوبيات المبرعمة، والأحلام المتفتحة: الاستئثارية هي الجنون الذي يُطبق على ما يستشعره الشعب من وجود وتميز وحتى طاقة وحدت سبل تفجرها. فالشموليات التي أسست على توحيد قسري طغياني للارادة العمومية هي التي قتلت "اليوتوبيات" الحية، وليس العكس، عندما حلت "السلطة" أو حل "النظام" أو الحزب أو العائلة او "الدولة" المضبوطة محل الناس، ولهذا لا يمكن الا استشعار ما يناقض هذه المنازع في تكون ائتلاف القوى الثورية والمعارضة، باعتباره آتياً من يوتوبيات الناس المتنوعة الحرة وليس من ارادات فوقية، منفردة. وبهذا، نرى ان هذا الائتلاف على الرغم ما قد يواجهه من عقبات ومشاق، لا بد ان يُعمِّق صيغة التماثل بجذوره الشعبية لتحصين نفسه وبتطوير ادواته ليس باتجاه اسقاط النظام فحسب، وانما ايضاً البحث عن خرائط طريق توصل الى بناء سلطة جديدة او دولة جديدة، تقوم على نقائض النظام القديم وسمومه وجنونه وطوابعه الامنية والعسكرية وهياكله الفارغة الا من ظوهر القسرية والعنف والاستبداد. ولهذا، فان اسقاط النظام، اليوم مرحلة "مطهرية" او فترة انتقالية، أو محطة تفاعلية من شروط تجاوزها الى ما بعدها، البنائية سوى توغل عميق في وعي مجمل الشروط، ومجمل الموروث التاريخي من الثورات أي مجمل ما خلفته الأحداث والأفكار، من عِبَر ودروس. ولهذا، نرى أن تكوين هذا "الائتلاف" هو بداية جديدة لمسار جديد… طويل، وانتظارات غير مفروشة بالورود دائماً!
وهذا هو التحدي العظيم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل