#adsense

حزب تكفير المسيحيين وتهجير الشيوعيين

حجم الخط

إذا كان "حزب الله"، ولا يزال، رافضاً أيّ شراكة في مقاومة اسرائيل، فكيف سنصدق أنه مع الشراكة في بناء لبنان الطائف؟ لقد أصرّ الامين العام لهذا الحزب، على فتح جرح الشيوعيين حين دعاهم الى طاولة الحوار.

كان الحزب الشيوعي وحركات اليسار، في مقدمة مَنْ قاتَلَ اسرائيل، ولحسابات بين نظام آل الاسد ونظام ايران، صدر قرار "بتهجيرهم" من الجنوب. ومُنع الشيوعيون، وكل مَنْ يمتُّ الى ماركس بصلة، من القتال. وليؤكد "حزب الله" على عدم الرحمة في هذه المسألة، نفَّذَ حكم الاغتيال بعدد لا بأس به من رموز اليسار.

لو لم تقع "حرب الالغاء" على الشيوعيين واليسار عامة، لكانوا اليوم هم مَنْ يُمَنِّنون "حزب الله" ويطلبون ضمّه الى طاولات الحوار ومؤتمراته. وكم كان قاسياً على الشيوعيين في ذروة "تهجيرهم" من الجنوب، أن يتذكروا فضيحة ايران ـ كونترا، العام ١٩٨٥، حين كانت طائرات من نوع دي ـ سي ٨ تُقلع من اسرائيل محمَّلة بالسلاح لتهبط في ايران. كان تعاملاً مع "شيطانين" اميركا واسرائيل، وكان مغفوراً.

على كل حال، لن ينسى شيوعيو لبنان ماذا حل بالحزب الشيوعي الايراني "توده"، الذي قاوم الشاه، فكان جزاؤه إعدام آلاف المحازبين والحظر. قبل ولادة "حزب الله" كان الهوى الجنوبي مقاوماً لإسرائيل وللسيطرة الفلسطينية المسلحة! وكان الهوى اليساري للشيعة، رائعاً وجميلاً، وراقياً في التعبير عن رفضهم "الحرمان" السياسي.

قَتَلَ "حزب الله" هذا الهوى، وطَمَسَ تمسُّكَ الشيعة بلبنانيتهم، فجعلهم أتباعاً لإيران. هنا يكمُنُ الخطر الذي يهدد الشيعة بفضل "حزب الله". وللعلم فقط، اكتسبت إيران "تشيّعها" بفضل علماء من جبل عامل اللبناني، وحتى نظرية "ولاية الفقيه" تعود في أصولها الى عالم دين شيعي لبناني اسمه محمد الجزيني.

يا ليت "حزب الله" لم يدمِّر هذا المستوى الفكري من العلاقة مع ايران، لكان أغنى الشيعية اللبنانية "بالروح"، لتتكامل الصورة مع تجربة اليسار الشيعي وتجربته الراقية في فنون السياسة، وفنون مقاومة اسرائيل، والفنون الجميلة.

وعلى شاكلة هذا الحب المُستجد للشيوعيين، نَصَبَ "حزب الله" فخاً مُموَّهاً بالحرص المُبالغ فيه، على المسيحيين. الشيوعيون قتلهم ثم أحبهم، أما المسيحيون فينتظرهم "مِنَ الحب ما قتل"! أليست هذه حال ميشال عون السياسية؟ إذا كُتِبَ "لحزب الله" أن يُهيمن على لبنان كما هَيمن على الجنوب، فسيكون مصير ميشال عون في كسروان وجبيل، شبيها بالحصار المفروض حاضرا على حركة كل اليسار في صور والنبطية.

وكما لم تَشفعْ "مقاومة اسرائيل" للشيوعيين ليأخذوا مجدهم السياسي، لن تَشفعَ "ورقة تفاهم" للعونيين، ببقاء مسيحي حر. والدليل أنه على رغم العلاقات الفضلى بين الطرفين اليوم، حتى حارة حريك، مسقط رأس عون، ليست في "وضع مسيحي" يثير الإعجاب او الحسد.

من هنا نفهم اعتماد "حزب الله" على "التكفير السياسي" للمسيحيين الذين لم يقتلهم سياسياً بعد. في عقيدة "حزب الله" المُضمرة: الشيوعيون مصيرهم "التهجير" لأنهم قاوموا اسرائيل، والمسيحيون مصيرهم "التكفير" لأنهم تعاملوا مع اسرائيل. هو حزب "التكفير والتهجير" ايْ النسخة الشيعية لجماعة "التكفير والهجرة" السُنية.

كل ما يخدم مشروع "حزب الله" مسموح. هذا المشروع فيه من الماضي عَفَنُ الماضي، ويريد للشيعة ولكل اللبنانيين، مستقبلاً قائماً على "روح العنف" في كل ميادين الحياة. هذا المشروع في سبيله تُمارس التقية في غير مقاصدها الشرعية، ويصبح للشرف وكرم النفس، معان غريبة عن الواقع! في انتخابات العام ٢٠٠٥ لم يجد الامين العام "لحزب الله" حرجاً، عندما تَذَكَّرَ وذَكَّرَ بشعار الـ 10452 كلم٢.

لمن هذا الشعار؟ لبشير الجميل. من هو بشير الجميل، قبل انتخابات العام ٢٠٠٥؟هو عميل اسرائيلي. من هو بشير الجميل بعد الانتخابات تلك؟ ايضاً عميل اسرائيلي. بدافع من تقية سياسية، ولأيام انتخابية، اعترفوا بأن القوات اللبنانية وبشيرها مع لبنان السيد المستقل بمساحة 10452 كلم٢. بعد الانتخابات أُعطيَ ميشال عون شهادة الوطنية.

من هو ميشال عون؟ ضابط كان على علاقة ببشير الجميل، "العميل". في عقيدة "حزب الله" وُلِدَ ميشال عون، في ورقة التفاهم، اي يوم انقتلَ سياسياً! في ثمانينيات الحرب، طلبَ بشير الجميل مؤازرةً عسكرية من الجيش اللبناني، على جبهة الاسواق لنقص في العتاد والعديد، وطلبَ بالاسم: ميشال عون.

مسؤول كبير في الجيش حاول إقناع بشير الجميل باسم آخر. أصرَّ بشير على عون بناءً على نصيحة ناصح. نزل الضابط عون الى الأسواق، ونزل الضيق والهَمّ والنكد على بشير الجميل. كل ساعةٍ بطلبٍ، وكل طلبٍ بشكوى، وكل شكوى بلغةِ يائسْ. لعنَ بشير الجميل الساعة. وعددٌ مِنَ الأحياءِ، شهودٌ على ما أقول! دارت الايام وعيَّنَ الرئيس امين الجميل، شقيق بشير، ميشال عون قائداً للجيش. ثم عيَّنَهُ رئيساً للحكومة. ماذا كانت النتيجة؟ اسألوا امين الجميل.

بلغ من الوفاء أن وقف في صف المتهمين بقتل الوزير بيار، ابن امين الجميل، والرئيس بشير، شقيق امين الجميل. يمكن تفسير الإمعان في مُخاصمة امين الجميل وعائلته، بالحق الديمقراطي في المنافسة على المقعد النيابي لإبنه القتيل، ويمكن تفسير هذه المخاصمة بأمور بعيدة عن الحق الديمقراطي.

ثمة فكر كلما احتاج وساد، ضاقت مساحة بقائه من حيث لا يدري. تلك حال "حزب الله" بعد خطبة "التكفير والتهجير" الاثنين المنصرم. حَظِيَ "حزب الله" بصيت دولي عماده الارهاب والتطرف، ولم يحظَ بِبُعدٍ فكري او رومانسي، ولم ينجح في الانضمام الى نادي "الحركات المثال" في المقاومة.

الكفاح المسلح الفلسطيني، على علاته ماضياً وحاضراً، لا يزال متقدماً عليه في "حق الثورة وحق العودة". حتى جغرافيته تحولتْ شوارع معزولة في الضاحية، وقرى محظورة في الجنوب، وبقاعاً خارجة على الوطن. مقاومة بلا شعراء، بلا أدباء، بلا تواصل مع مفكري اليسار الغربيين منهم والشرقيين، الثائرين والمثيرين للجدل.

من اين تأتي بالجدل في مقاومة التكليف الشرعي؟ ليس الشيعة من هذه الصورة الصفراء. على رغم شطط اليسار، فقد كان رومانسياً بامتياز. ومن الرومانسية تولد الفضائل، وتتعرف على جمال الافكار.

واليسار في جوهره إنسانيٌ، فلا خوف منه او عليه، بدليل انه لم يُكابر وقام بمراجعات نقدية لمساره في حرب لبنان. يليق اليسار بالشيعة ويشبههم أكثر من أي فكر أو حزب. ويليق معه الخصام.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل