#adsense

لمناعة «14 آذار»

حجم الخط

إذا كان مصطلح 14 آذار هو التسمية الرديفة للثورة على الإحتلال السوري للبنان (لأن الثورة على الإحتلال الإسرائيلي تملك وكالته الحصرية ما يسمّى بالمقاومة الإسلامية في لبنان) .

وإذا كانت قافلة الشهداء في 14 آذار طويلة بدأت مع جوزف أبو عاصي في مطلع الحرب اللبنانية واستكملت مع اغتيال كمال جنبلاط والرئيس الشيخ بشير الجميل مروراً بالمفتي حسن خالد والرئيس رينيه معوض والرئيس رفيق الحريري، وسواهم، فهذا وحده قادر على تجييش رأي عام يملك كل مقومات الثورة في دولة خُنِقَت أنفاسها على يد الوصاية السورية التي أَفسدت إداراتها، وابتزَّت شعبها خير ابتزاز كترجمة لسياستها التي لا تشبع إلا بذبح كبار أبناء هذا الوطن الصغير. لكن هذه الثورة استنفدت معظم أوراقها بالأحداث السياسية المتراكمة وفي الإعداد للمناسبات المتكررة، بدلاً من العمل على رؤيا واضحة ومبسطة يمكن للرأي العام اﻠ 14 آذاري قراءتها والعمل في ظلها، ولم تعتمد في هيكليتها شيئاً من الأصول الديمقراطية، ولم تشكل مثلاً مجلساً وطنياً تنضوي فيه نخبة الثورة من حزبيين ومستقلّين، يتم فيه تحديد المسؤوليات وفقاً للأسس الديمقراطية. فظلت فيها الإدارة السياسية مشابهة لما كان يحصل في مقاهي بيروت القديمة في زمن الإنتداب الفرنسي حيث راحت المعارضة تحضّ وتعبّئ للإنقضاض على هذا الإنتداب، وصولاً إلى إسهامها بطريقة أو بأخرى في حينه بالإعداد للميثاق الوطني في العام 1943.

لكن الممارسة المتوارثة في تعاطي الشأن العام والعمل السياسي في مقابل متطلبات الثورة والتطور الحاصل في عالم الإتصالات والإعلام اللذين يسهمان في تطوير الحياة الديمقراطية، لم تعد تكفيها هذه الصالونات السياسية، حيث يقتضي العمل فوراً على تأسيس مؤسسة ديمقراطية، تشعر معها الأحزاب المنضوية في 14 آذار أن لها مولوداً واحداً ديمقراطياً (سمّيناه مجلساً وطنياً) يترأسه بالإنتخاب كل سنة أحد مرشحي الأحزاب، وبين السنة والأخرى يترأسه بالإنتخاب أيضاً أحد المستقلين المنتمين إلى 14 آذار.

عندها سوف يطمح كل مناضل وكل أصحاب الكفاءة للإنتماء أو الإنتساب أو ترَؤُس هذا المجلس، فيشعر جمهور الثورة أن ثورتهم أنتجت أقلّه جسماً واحداً ديمقراطياً، وأن النقاش داخل هذا المجلس يرتقي إلى مستوى التنوع في الطروحات لا إلى الأحادية الفكرية التي تنتجها الصالونات السياسية، فيشكّل هذا المجلس المطبخ السياسي لقيادة 14 آذار ويقدّم لها المشاريع والمقترحات والرؤيا وهي تقرّر الأولويات والإستراتيجية المفترض اتِّباعها.

هكذا نخرج من منطق الصالونات إلى منطق المؤسسات، لئلا نعيش في ظل ديمقراطية شكلية نورثها لأجيالنا الصاعدة، وهي تشكّل فعلاً تخلفاً موروثاً في ظل حياة سياسية معطوفة على أحزاب أشخاص، تُستعبد فيها الكفاءات التي لا يمكنها العمل في ظل مِزاجيات الأشخاص ومصالحها.

فلا يستقيم العمل السياسي إلّا في ظل مؤسسات تطبق معايير ديمقراطية ثابتة تحترم مبدأ التداول على هرميتها فلا تنتج فروخاً ديكتاتوريين، ويتولى الهرمية فيها ذوو الكفاءات، ويتنحى عنها من لا يملك هذه الكفاءات، فيُفسح في المجال لمن يستطيع أن يقدم رؤيا واضحة ينفذّها مجلس وطني مدعوم برأي عام الثورة. هكذا نكون أمام مجلس يعمل على مواكبة شؤون وشجون الثورة بكل جوانبها، لا مجرد تكتلات وصالونات سياسية يقتصر نشاطها على مواكبة الأحداث وإقامة المهرجانات، فلا نواجه المرحلة بمنهجية تتلاءم مع النمط الذي يتوسّله أعداء لبنان وأعـداء الثورة.

وفي هذا المجال فلنسترشد بالمجلس الوطني السوري الذي تغيرت قيادته مرات عدة في أقل من سنتين، وفي ذلك نموذج ديمقراطي كان يجب أن نصدّره للشعب السوري الذي بدا متقدماً علينا بأشواط، على رغم خضوعه لنظام ديكتاتوري دام زهاء الأربعين عاماً.

وإذا ما عدنا إلى التجربة الآنية فإننا نجد أنّ خصوم 14 آذار فرحون، وقد اغتبطوا منذ اغتيال اللواء الحسن لا بل منذ سيطرتهم على السلطة التنفيذية بقمصانهم السود، حيث جاءت ردّة فعل قوى 14 آذار لا تتناسب وفعل اغتصاب السلطة والاستفتاءات على نتيجة الإنتخابات النيابية لعام 2009. كما اغتبطوا أيضاً يوم اعتبر البعض داخل 14 آذار أنه غير ممثل (والتمثيل بمفهومه لا يقصد به قواعد التمثيل ومعاييرها الديمقراطية، بل أنه هو غير ممثل)، ومن منطق "الأنا" يكتوي جمهور 14 آذار ولن يحصد ثماراً ديمقراطية على المدى البعيد وبسبب هذه الممارسة خرج من الأمانة العامة سابقاً النائب المرحوم نسيب لحود وفريقه السياسي وحزب الكتلة الوطنية، والكتائب اللبنانية وبعض المستقلين حتى كاد يأتي الدور على من كان السبب في خروج هؤلاء.

ترى هل ستسقط حكومة حزب الله بهذا المستوى من الأداء السياسي الذي يمارسه 14 آذار، لذلك فلننشئ مولوداً ديمقراطياً واحداً ﻠ 14 آذار يتلاءم مع طروحات السيادة والحرية والإستقلال، ومع مفهوم الدولة الحديثة، سواء أرادوها دولة مدنية أم دولة الجماعات، لأن الممارسة الشخصية تتعارض مع مفهوم العمل الديمقراطي الذي ينتظم ضمن الأطر المؤسساتية، وهو يؤدي إلى مفهوم الزبائنية السياسية أو الدكاكين السياسية التي قد تفتح هنا أو تقفل هناك.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل