نظمت هيئات المجتمع المدني حملة مباركة دفاعاً عن حقوق سبعة عشر الف مفقود خلال الحرب اللبنانية وحق ذويهم وأصدقائهم بمعرفة مصيرهم. من الشعارات التي انسابت عبر الراديو وعلى شاشات التلفزيون "الحق بالمعرفة" و"لنتعلم من الماضي"، واللازمة التي كثر تردادها "لا قونا السبت عل متحف".
حملة يتمنى التجمع اللبناني الارثوذكسي لها كل نجاح ذلك انها اثبات على دينامية المجتمع المدني اللبناني ومنعته ونزعة المبادرة فيه. غير ان ما صرّح به بعض منظمي الحملة اثناء ندوة "كلام الناس" اثار استهجاننا وامتعاضنا.
فقد اعلنت المنظمة للحركة ان برنامج اللقاء ينطوي على التوجه الى المقابر الجماعية لاضاءة الشموع. وحتى الآن الكلام سليم ومقبول. لكن السيدة اعلنت ان المقابر الجماعية الثلات هي في "الطيونة" و"مار متر" و"حرش بيروت" والبقع الثلاث هي في ما كان يعرف ببيروت الشرقية.
الانطباع الذي سيبقى لدى المستمع والمشاهد، خاصة من العدد المتزايد ممن لم يعش فترة الحرب، ان المقبرة الجماعية لا بد وان تكون حيث ارتكبت المجزرة. وان العمل الاجرامي قامت به مجموعة تأنس للمكان وتسيطر عليه وايضا، بالتبعية، لا بد وان يكون الضحايا ممن هم على الجانب المقابل لخط النار اي لمن شاء الاختصار: القتلة هم المسيحيون والضحايا هم الآخرون.
ما كان للتجمع ان يعترض لو ان هذا الوصف التزم جانب الحقيقة. الحقيقة ان المجازر الكبرى لم ترتكب على خط النار ذاك وليس على ايدي ساكنيه وان كنا ابعد ما نكون عن تبرئة المجرم لا نتردد في التنديد بما ارتكبه ساكني هذه المناطق. ان اضاء اصحاب المسيرة الشموع في مار متر والطيونة والحرش، من سيضيء الشموع في الضاحية والناعمة والدامور و الشوف وشرق صيدا ودار عشاش وعكار والحزام الامني في الجنوب؟
ان الدافع وراء هذه الحملة مبرر سياسيا ومدان اخلاقيا. فالسياسة ان انفصمت عن الاخلاق والقيم استحلّت كل محرّم. لا يجوز طي الكثرة الساحقة من ضحايا الحرب وشن حملة لاحراج خصم سيا سي عبر اثارة مسالة انسانية ان عدنا الى تفاصيلها لتوصلنا الى ما وصل اليه الاستاذ الالماني تيودور هانف عبر تحليلة يوميات الحرب اللبنانية: ان ثمانية من كل عشرة مدنيين قتلوا في الحرب هم من المسيحيين.
اعلاء التجمع اللبناني الارثوذكسي الصوت اثبات لالم ولمرارة تعتصرانه منذ عقود . ثم ان الصمتنا دليل موت المجتمع المسيحي. رحم الله ابا الطيّب:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميّت ايلام.