#adsense

لماذا انتحرت يا بيار؟! (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

هكذا نعدّ نحن الشهداء. نحتفل بذكراهم. ننتظر شهيداً آخر لنحدد موعداً لاحتفال آخر. ست سنوات بيار الجميل. نفتح دفتر الذكريات، نأخذ منه أحلى ما فيه، ونبدأ بتعداد حكاياته الحلوة. حكايات بيار. لديه منها الكثير. أو لعلها كلها كذلك باستثناء ذاك التفصيل المدمّر الذي حطّم الحلم الجميل. تفصيل أخذ به بعيداً عن دروب الحياة، الايمان بلبنان دولة المؤسسات، آمن بأن الايمان وحده في لبنان يكفي ليحمي ناس الخير من غدر الاشرار، فأكتفى برفيقه سمير الشرتوني ودركي ليكونا رفيقيه بينما طريقه مزروعة بالذئاب. الذئاب الموصوفون ما غيرهم الذين بالامس، هللوا لاستشهاده وابتسموا حين مرّ نعشه الابيض الراقص من أمامهم. بالامس، منبضعة ايام فقط، فعلوا بوسام الحسن ما فعلوه بـ بيار. ذهب ليضع وردة على ضريح أحد احبائه ويواسي اهله، فكان أن تحول الى ساكن ضريح نضع فوقه الورود…يا الله هذا كثير…

هذا حسبنا منذ سنوات طويلة، نعدّ نحن الشهداء ونبكي الغياب، ويتفرّج علينا الاخر ويتهم الشهيد بالانتحار وخيانة أمانة الحياة! هذه هي المعادلة في لبنان، وقاحة اتهام الشهيد، تقديم العزاء به، المشي بجنازته بعد تنظيف اليدين من دمائه. هذا هو الاخر في لبنان…

أين هو بيار الان؟ ماذا يفعل؟ يراقب طفليه يكبران من دونه في غيابه؟ يتأمل لبنان يطعن كل يوم أكثر؟ لبنان الذي يقضم أصابعه ويقضمون قلبه وأطرافه، يقطعون شجره ومناضليه، يقتلعون جذور الناس وكأنهم موسم بطاطا في سهل استهُلكت تربته، وسرحت فيها الديدان بدل الخيرات؟ هل هذا ما يفعله بيار ورفاقه أو زملاؤه الشهداء؟ ونحن ماذا نفعل في المقابل؟ نعدد مزايا الشهيد؟ وبعد؟ وبعد يا هالبلد الانتقائي اللاعادل اللا انساني اللا حرّ بعد، وبعد؟

لن نعدد مزاياه الحلوة. صارت رثاء متكررا عاما بعد عام، لن نبكيه، صارت عادة بشعة جرجرت خلفها المزيد والمزيد من الدموع، وأصبحنا كالنساء النادبات المولولات. لن نأسف لشهادته وان كنا من الداخل نتمزّق على الشاب الثائر الصادق النبيل الاهداف. صحيح ان الدمع لن يأتمر بأوامر الغضب ويتجمّد حجارا في مقلة وقلب الثورة المكبوتة، ولكنه سيكرج، سيكرج دمعاً هادئاً حزيناً عنواناً للوجع الغميق الهادئ الدفين الذي لا يُمَحى.

لكن من جديد، لن نرثو، لن نأسف، لن ننتحب، سنفعل أمرين فقط، نصلّي لبيار، نصلي كثيراً وعميقاً لشهيد ثورة لم تكتمل بعد، وسنفعل ما يجب أن نفعله وما كان ليحب أن نفعله لو كان بيار حيا، سنكمل الطريق. ليس شعارا فارغا لاستكمال مقال أو جملة في خطاب، نحن نفعلها الآن، نكمل الطريق. نحن نتعثر كثيرا يا بيار وأكثر مما كنت لتتصوّر، لكننا نتعثّر ونكمل الطريق، نحمل الاشلاء، نستحم بالدماء، يطمرنا غبار الدمار، وجوهنا مكسوة بالتراب، عيوننا تائهة في خراب الامل، ثيابنا ممزقة، نحن عراة يكسونا الخطر، نوافذنا مشلّعة، الريح تلعب بنا من كل الجنبات…

لكن لا خيار آخر. نحمل الدرب المحفوف بالاسود ونرسم طرقات فرعية حينا، رئيسة أحيانا، ندخل زواريب، نحطّم حيطان، تحطّمنا حيطان، ولكن نقتحم. نقتحم كل شيء وفي كل الاوقات…لا خيار آخر. وعندما ننظر للبعيد نرى العيون التي نحب. نرى أرزة يكللها يسوع، نرى عيون بيار ومن سبقه ومن التحق به، هم معنا. عن جدّ معنا، نحتاج فقط للكثير من الصلاة من فوق، وبحور الايمان من عندنا من تحت، والكثير بعد، أكثر مما هو متوافر الان، المزيد من الشجاعة لتكتمل صورة لبنان، صورة على مثال بيار وكل الشهداء… نحن نصلي لاجلك بيار، وللشهداء بقي أن تصلّوا لاجلنا…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل