كتبت مي عبود ابي عقل في "النهار":
عاد التشدد ليسود لغة التخاطب السياسي، ويطغى على لغة الاعتدال والدعوة الى الحوار. وفي مقابل اصرار قوى 14 آذار على رفض الجلوس الى طاولة تضم فريق "آلة القتل"، اتهم السيد حسن نصرالله بعض هذه القوى بالدفع نحو الانفجار والسعي الى تأجيج فتنة سنية- شيعية.
يبرز دور الوسطيين في محاولة لايجاد مساحة مشتركة للقاء، درءا للآتي الاعظم، واتقاء النار الاقليمية المستعرة. ولا شك ان خير من يجيد هذه اللعبة ويمارسها، الى جانب رئيس الجمهورية، هو النائب وليد جنبلاط الذي تشكل كتلته النيابية بيضة القبان في لعبة الاكثرية والاقلية، وترجح كفة الميزان في اي تشكيلة حكومية.
لماذا يدعو جنبلاط الى التقكير في صيغة حكومية جديدة؟ وكيف تعمل كتلته على تثبيت التوازن بين طرفي المعادلة؟ وهل يحضر نوابه جلسات اللجان النيابية؟ هذه الاسئلة حملناها الى عضو "جبهة النضال الوطني" وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور الناشط على جبهتي السياسة والاجتماع معا، وآخرها قضية النازحين السوريين.
قال النائب وليد جنبلاط ان "ما حصل في طرابلس وصيدا والاشرفية يؤكد الحاجة الى مقاربات جديدة قد تكون احداها التفكير في صيغة حكومية جديدة قادرة على حماية البلد من الفتنة". مالذي اوصله الى هذا الاقتناع؟
– ليس دافعنا في اي موقف نتخذه، التمسك بأي مقعد او موقع وزاري او غير ذلك. وما اوصل وليد جنبلاط الى هذا الاقتناع السياسي هو اولا التردي على مستوى العلاقات السياسية والعلاقات بين المكونات اللبنانية، ولا سيما القطيعة الكاملة. وثانياً الانهيارات الامنية هنا وهناك، فكلما نجونا من مأزق امني نقع في آخر. والامر لا يحل فقط بالامن. طبعا هناك دور أساسي يقوم به الجيش والاجهزة الامنية، ولكن لا نستطيع ان نلقي بكل اعبائنا على هذه الاجهزة. العلاج سياسي بالدرجة الاولى. لذلك يحتاج الامر الى شجاعة وطنية كبرى، والى مبادرة وطنية بحجم الازمة التي نعيشها.
وهل حكومة جديدة تحل كل هذه الامور؟
– ربما الحوار حول حكومة جديدة ترضي كل الاطراف ويتوافقون عليها، يخفف حدة الاحتقان السياسي الداخلي، وتحديدا الطائفي، ويشيع بيئة افضل للاجهزة الامنية والعسكرية لتقوم بواجباتها في حفظ الامن، وربما يقود النقاش العقلاني حول حكومة جديدة، يتواضع فيه الاطراف ويتراجعون عن بعض السقوف العالية التي لا طائل منها، الى انتاج حصانة اكبر للوضع الداخلي اللبناني وما يحصل حولنا. والرئيس ميقاتي ليس بعيدا عن هذا الجو، وهو قال اكثر من مرة انه ليس متمسكا بالبقاء في منصبه، وعلى استعداد للنقاش بحكومة جديدة . المحظور الاساسي لدينا هو الفراغ الحكومي، وهو خيار لا يمكن ان نقدم عليه لانه سيضاعف حجم المخاطر.
ما هي هذه الصيغة الجديدة التي يمكن ان تحل الامور؟ هل هي حكومة وحدة وطنية من جديد او 3 عشرات، او ماذا؟
– نحن منفتحون على النقاش، لكن رأينا الأولي هو ان العودة اولا الى الحوار لانتاج حكومة وحدة وطنية يتشارك فيها كل الاطراف، قد تكون احد المخارج التي تؤدي الى تخفيف حدة التوتر الداخلي، وبناء حصانة لبنانية اكبرتجاه الاوضاع المحيطة، وتحديدا ما يحصل في سوريا، وكبح الجموح اللبناني للانغماس في الوضع السوري واستجلاب الازمة السورية الى لبنان.
ولكن سبق ان فشلت حكومة الوحدة الوطنية، فلمادا تطالبون بها مجدداً؟
– ربما حكومة الوحدة الوطنية لم تنجح في السابق بسبب التنازع الذي كان قائما في داخلها، ولكن المقياس اليوم لنجاح اي جهد او عمل سياسي هو مدى تحصين البلد والسلم الاهلي. ربما تجربة حكومات الوحدة الوطنية لم تكن ليعتد بها كثيرا، ولكن المطلوب ان يكون الجميع الى طاولة واحدة هي طاولة الحوار السياسي والشراكة الوطنية.
لكن يبدو أن كل الاطراف نسفوا طاولة الحوار، قوى 14 آذار ترفضه، وخطاب السيد حسن نصرالله اوحى كأنه انتهى.
– هذا خطأ كبير من طرفي المعادلة السياسية. لا يمكن ان تكون حكومة جديدة منزلة من دون حوار، أو بالمراسلة، ولا ينفع رفع السقوف السياسية والطائفية من هنا وهناك. الحوار هو المخرج، ولا ينبغي ان يتحول مادة للسجال، بل يجب ان يكون مطلب الجميع ومصلحة للجميع، ولا داعي تاليا ان نعامل بعضنا البعض الآخر من منطلق ان الحوار تنازل، واذا كان تنازلا فهو لمصلحة البلد. من هنا اهمية الجهد الذي يبذله رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي، ويا للاسف حتى اللحظة لم تتم ملاقاته في منتصف الطريق من كثير من القوى السياسية التي، في اندفاعها السياسي سواء في الخصومة الداخلية او في الانغماس في أزمة في سوريا، اخشى انها تقود البلد الى خطر محدق كبير.
البعض اعتبر ان خطاب السيد حسن نصرالله الاخير اغلق الابواب على امكان التلاقي حتى مع الوسطيين. هل ترون ذلك؟
– الحوار ليس رفاهية، ولا يمكن ان يتحول فضيلة ندعيها في مواجهة بعضنا البعض، والسقوف العالية، من أي جهة اتت، لا تخدم حماية الاستقرار الداخلي. كل القوى السياسية، ونحن منها، مطالبة بأن تتخذ قرارا واحدا، واليوم، هل تريد الاستقرار في لبنان ام لا؟ هل تريد السلم الاهلي ام لا ؟ هل تريد ان تنجر الى الفتنة ام لا؟ اذا كان المعيار حماية الاستقرار والسلم الاهلي فعلى كل الاطراف القبول بالعودة الى طاولة الحوار والتواضع، ولن اسميه تنازلا، من اجل مصلحة لبنان.
كيف تنظر الى ظاهرة الشيخ احمد الاسير وخطابه وتحركاته وتهديداته ؟
– هناك احتقان كبير في لبنان، والتشدد بات سمة كل المواقف السياسية، والمأمول من كل من يريد ان يتحرك سياسيا، او ان يجد حيزا سياسيا خاصا به، ان يغلّب منطق الاعتدال على أي منطق آخر، وأن يحاذر في كل موقف او كلمة، مخاطر الفتنة.
وهنا اهمية الشراكة الوطنية التي تحفظ الدور الوازن للقوى المعتدلة في كل الاوساط. المنطقة تتغير، وهذا التغيير لن يكون لبنان في منأى عنه، لذلك يجب ان تكون المواقف المعتدلة في رأس اولويات كل القوى السياسية. دور الجيش والقوى الامنية المهمة مهم والرهان عليها كبير، لكن يجب الا نقول لهذه الاجهزة "اذهبوا انتم وربكم وقاتلوا". العلاج سياسي، وهو من مسؤولية القوى السياسية. كفى معاندة ان هناك امكاناً لأحد ان يلغي احدا في لبنان. جربنا هذا الامر سابقا، ولا نحتاج الى تجربته مجددا. ولا مصلحة لأي طرف في اقصاء اي طرف آخر عن طاولة الشراكة الوطنية، لأن هذا الامر سيقود الى محظور كبير.
ماذا يعني استقبال جنبلاط لوفد من " الجماعة الاسلامية"؟ هل هي رسالة الى "تيار المستقبل" بوجود آخرين على الساحة السنية؟
– على الاطلاق. ليست رسالة الى "تيار المستقبل" ولا الى اي طرف آخر. علاقتنا مع "الجماعة الاسلامية" ليست حديثة العهد، وحتى في عز الانقسام السياسي عام 2005 كنا معهم في توافق حول الكثير من القضايا، حتى الاستراتيجية الدفاعية التي قدموها حينذاك كانت شبه متطابقة مع تصورنا. علاقتنا قديمة، ونعتقد ان "الجماعة الاسلامية" خيارها عقلاني، وتعرف التوازنات اللبنانية، ونحن على هذا الاساس في تواصل وتشاور دائمين.
هل يجوز تحميل الرئيس ميقاتي كل هذه الدماء، اللواء الحسن من 14 آذار، ودماء مرافقي الاسير من النائبة بهية الحريري؟
– الكثير من المواقف السياسية التي صدرت بتحميل الرئيس ميقاتي والحكومة الدماء غير صائبة . الجميع يعرفون كيف كانت طبيعة العلاقات بينه وبين اللواء الحسن، وكيف كان من أشد الحرصاء عليه. هذا جزء من رد الفعل السياسي الذي حصل، وكان في غير مكانه. كذلك لا اعتقد ان السيدة بهية هدفت الى تحميل الرئيس ميقاتي دم مرافقي الأسير، بل هي تدعو الى مبادرة وطنية كبرى، وتعيش وضع صيدا الصعب، وتتحسس التهديد والخطرالفعليين على المدينة،وتاليا على لبنان، وتحذر منه منذ فترة طويلة. المطلوب البحث عن مبادرة وطنية كبرى، وليس بقاء نجيب ميقاتي في رئاسة الحكومة او مغادرتها هو مكمن الداء، بل مكمن الدواء هو مبادرة وطنية كبرى يجب ان تحصل بين اللبنانيين، والعودة الى طاولة الحوار والشراكة الوطنية، وهذا الامر لا يكون الا بالتجاوب مع دعوة رئيس الجمهورية.
ما رأيك في انعقاد جلسات اللجان النيابية في غياب نواب 14 آذار؟
– نحن ضد مقاطعة المؤسسات وتعطيلها. لكن بعيدا عن النقاش الدستوري حول هذا الامر، اعتقد ان الرئيس بري يؤدي دورا اساسيا في اطفاء التوتر بين اللبنانيين، ورغم حرصه على دورالمجلس النيابي واستمرار العمل الدستوري فيه، سيقيم التوازن الطبيعي بين حفظ هذا المنطق الدستوري والا يكون عمل اللجان النيابية سببا لتوترات وانقسامات اضافية بين اللبنانيين، وخصوصا بعد احداث صيدا. ورهاننا على دور الرئيس بري كبير في هذا الامر.