#adsense

الحرب الإسرائيلية تكشف هشاشة معينة في الربيع العربي

حجم الخط

في مكان ما، استمرّ الربيع العربي لعامين "متجاهلاً" المسألة الفلسطينية أو "مهمّشاً" لها. لم يملك أهل هذا الربيع المتعاقب من بلد إلى بلد ما يطرحونه على الفلسطينيين، اللهم غير الاحتجاج بالتفاؤل العام، الفضفاض، المجرّد، الذي يراهن على أن الشعوب الحرّة ستكون أكثر قدرة على إيفاء القضية قسطها مما يمكن أن تقدّمه شعوب رازحة تحت نير الاستبداد. وهذه معادلة صحيحة بلا أدنى شك، لكنها حين تطرح بشكل معزول ومطلق تأتي على جانب كبير من الغموض والالتباس، ويمكن أن تفيد الشيء ونقيضه، وأخطر ما يمكن أن تبرّر له هو الموقف "التأجيليّ" لقضية الفلسطينيين إلى مرحلة تاريخية لاحقة، أي إلى حين استتباب الربيع العربي من حولهم.

في مكان آخر، ما إن انطلقت العملية الحربية – التدميرية الإسرائيلية على قطاع غزة، حتى ظهرت الهشاشة الثقافية للربيع العربي، انزلاقاً إما الى "نظرية المؤامرة" أو إلى "خطاب الممانعة". كمثال على الانزلاق إلى "نظرية المؤامرة" هذه المسارعة إلى الحديث عن مؤامرة مشتركة لبشار الأسد وبنيامين نتانياهو ضد الشعبين السوري والفلسطيني. وهذا ليس واقعياً لسبب بسيط، أن إسرائيل لم تعد تطرح على نفسها كيفية التعامل مع استمرارية نظام آل الاسد، إنما تطرح على نفسها، من جملة محاور أخرى، كيفية التعاطي مع تداعيات ما بعد سقوطه. كذلك، فإن التفسير الآخر الذي يبالغ في أن هذه الحرب ستزيد انفصال "حماس" عن إيران، وبالتالي إبعاد إيران نهائياً عن الساحة الفلسطينية، هو أيضاً تفسير يحوي على شيء من الاعتباطية، ذلك أن المسارين الحربي والديبلوماسي المواكبين هما اللذان سيقرّران في الأيام المقبلة، ما إذا كانت هذه الحرب ستعزّز أو تزعزع النفوذ الإيراني في ساحات الصراع العربي – الإسرائيلي. ليس هناك أي حرب في التاريخ تجيء كناية عن تصميم هندسي يجري تطبيقه ميدانياً كما هو. ورغم كل ما نكبنا به من حروب في العقود الماضية، لم نعط أي جهد، لا في التفكير ولا في التعاطي السياسي، لوعي حيوية ظاهرة "الحرب" وعدم قابلية أن تختصر في "تفسير تآمري" جاهز سلفاً.

أما عن الانزلاق إلى "خطاب الممانعة" وثقافتها فحدّث ولا حرج. كما لو أنه كتب على أهل الربيع والليبراليين من العرب أن يكونوا كذلك في أوقات السلم ثم يستقون تعابيرهم ومقولاتهم من معجم حسن نصر الله في أوقات الحرب. وهكذا، وبدلاً من تحكيم العقل لأجل إدانة لجوء إسرائيل إلى القوة العدوانية التدميرية المفرطة التي لا تتناسب مع القدرات العسكرية للمقاتلين الفلسطينيين، جرى إطلاق العنان للهوى، فاللاعقلانية وحدها هي التي يمكنها تصوير الإسرائيليين والفلسطينيين كمتعادلين استراتيجياً على مستوى التسلح، كما أن اللاعقلانية وحدها هي التي يمكنها أن تلغي الفارق بين مضاعفات الهلع في مجتمع صناعي وبين مضاعفاته في مجتمع تقليدي. واللاعقلانية كذلك الأمر هي التي يمكنها أن توهم الناس بأن كل طرف يخوض حرباً يضع لنفسه معياراً ذاتياً خاصاً للربح والخسارة، لا بل يجعله معياراً متحركاً، بحيث يكفي أن يقول أنا لست مهزوماً مهما حصل، كي ينتصر.

الخطأ الأوّل هو تصوّر أنّ الوقت ليس للفلسطينيين الآن وأن لقضيتهم موعداً يفترض أن يتأجل إلى يوم ينضج فيه الربيع العربي نفسه. هذا الخطأ يستكمل بشكل آخر، شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وهو يتهرّب من طرح مقاربة ربيعية جديدة للصراع العربي- الإسرائيلي، ولدور الشعب الفلسطيني في إعادة صوغ المشهد الإقليمي في اتجاه التطور الديموقراطي والاستقلالي، فضلاً على كونه يتهرّب من القضية المركزية بالنسبة إلى أفق أي تطور ديموقراطي، أي قضية تحقيق السلام الإقليمي الشامل. إذ لا يعقل أن تكون هناك مرجعية مدريد ومبادرة بيروت للسلام قبل الربيع العربي، ثم لا يكون لهذا الربيع أي التزام في هذا الاتجاه.

أما الخطأ الثاني فهو اعتبار أن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" يمكن أن يتحول إلى معادلة سحرية لحسم الصراع العربي- الإسرائيلي أيضاً. لأجل ذلك هناك من يصرّ على تكرار الأخطاء نفسها، مع تذييلها بختم "الربيع": خطأ "صوت العرب" في حرب 1967، وخطأ الانتظارات الخلاصية لـ"سكود صدام حسين" أيام حرب الخليج الأولى، وخطأ الانزلاق وراء الوهم الذي تخصّص في تسويقه "حزب الله"، بأن الهوة التكنولوجية بيننا وبين العدو قد ضاقت ما دامت المسافة الصاروخية قد زادت. في أقل تقدير لا يمكن تسويق هذا كمعطى بديهي، ثم تخوين الناس على أساسه.

ما بين الخطأين، الأول (خطأ تأجيل قضية الفلسطينيين الى ما بعد الربيع) والثاني (خطأ الانزلاق الى ثقافة الممانعة)، لا بد أيضاً من طمأنة الذات: لا يمكن لنظام آل الأسد أن يستفيد من هذه الحرب مهما تكن نتائجها. التضامن المطلق مع الشعب الفلسطيني هو أمر ينسجم تماماً مع ساعة الثورة السورية، ومع قيمها، ومع أهدافها. الكل – باستثناء سيرغي لافروف – صار يتصرّف مع هذا النظام كما لو أنه دخل في مرحلة احتضاره الأخيرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل