#adsense

الواجب الشرعي والواجب الوطني

حجم الخط

في خلال يوم واحد تقريبا، صدرت عن ثلاث شخصيات لبنانية، تصريحات مهمة ولافتة، تتعلّق تحديدا في عمق المشكلة المستعصية على الحلّ التي يعانيها اللبنانيون، وتتمحور حول الخلاف على الهوية والانتماء، وهو الخلاف الذي ينسحب على السلاح والتفاهم على المقاومة والحكومة واتفاق الطائف ومرجعية القرار، وغيرها من القضايا الصغيرة والكبيرة، التي يمكن حلّها جميعها، في حال اتفق اللبنانيون على تفسير واحد موحّد للهوية والانتماء.

نواف الموسوي، نائب حزب الله، كشف بما لا يقبل شرحا او تفسيرا، ان ما تقوم به المقاومة في لبنان من تسليح وتدريب وتخزين، وما الى ذلك، هو تأدية لواجب شرعي على كل مكلّف، وهو في ما يقول: يتكلم عن واجب شرعي عند المسلمين حصرا، وهذا التكليف الشرعي يصدر عن رجال الدين من وزن الامام الخامنئي لدى الشيعة، او مفتي الازهر لدى السنة، ولا وجود له لدى الطوائف المسيحية التي لا تتدخل في قضايا من هذا النوع، وتترك القرار فيها للدولة فحسب.

عميد الكتلة الوطنية، كارلوس اده اعتبر في مقابلة تلفزيوينة سندا الى قراءاته في كتب الشيخ نعيم قاسم نائب امين عام حزب الله، ان الولي الفقيه، هو الذي يحسم سلبا ام ايجابا، قبولا او رفضا في اي قرار يعرض عليه وعلى الآخرين ان ينفّذوا، وهذه القراءة تصبّ تماما في مضمون ما قاله الموسوي، من ان التسليح والتدريب والتخزين وبالتالي المقاومة هي واجب شرعي يقول به الولي الفقيه، وهو واجب الطاعة، اي ان الدولة اللبنانية لا علاقة لها بأي عمل من اعمال المقاومة، وبالتالي اذا كانت الهوية لبنانية، الا ان الانتماء غير لبناني.

يبقى ثالثا ما عبر عنه سامي الجميل نائب حزب الكتائب، في البحث عن وسيلة او حل لانقاذ صيغة العيش المشترك المهددة من فريق يحمل السلاح ولا يريد ان يتخلى عنه، اذ قال في مقابلة إذاعية انه حان الوقت للتفكير في تركيبة جديدة تحمي الوطن وتبنيه، لان لا احد يذهب الى مفاوضات تحت ارهاب السلاح، وهذا الموقف للنائب الشاب يتقاطع مع دعوة البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي الى ميثاق وطني جديد، ومع طرح النائب وليد جنبلاط الى طائف جديد كمدخل الى حل مسألة سلاح حزب الله.

* * *
في بلد متعدد الطوائف والمذاهب مثل لبنان، وفي الوقت ذاته يضطر الجميع الى العيش المشترك في ظل نظام مركزي، تكثر القضايا الخلافية وتتعقد، تماما كما هو واقعنا اليوم، ويصبح حلها شبه مستحيل، لان قواعد الحل تختلف بين طائفة واخرى وبين مذهب وآخر، وفي معظم الاحيان يتم اللجوء الى الحرب والسلاح لحل هذه الخلافات، كما حدث ويحدث في العديد من الدول العربية والآسيوية والاوروبية، وكانت هذه الحروب تنتهي، اما بسيطرة فريق على آخر، او بالتقسيم، او بلا مركزية ادارية وسياسية، او بنوع من انواع الفدرالية المتعددة الوجوه ولبنان في ظل هذا الخلاف العميق الذي تتحكم فيه العقائد الطائفية والمذهبية، وتصبح الحلول فيه مستمدة عند البعض من ارادة الهية، ليس بمنأى من الوقوع في اتون النزاعات الطائفية المسلحة، وقد شهدنا نماذج منها في خلال الحرب، وبعد اغتيال رئيس الحكومة الاسبق الشهيد رفيق الحريري في العام 2005، الى ان وصلت في الايام القليلة الماضية الى دعوات علنية من قبل بعض رجال الدين السنة الى تشكيل مقاومة مسلحة تقف في وجه مقاومة حزب الله الشيعية.

هناك اختلاف كبير بين الواجب الوطني والواجب الشرعي، فالواجب الوطني تقرره وتعلنه الدولة المشكّلة من جميع الطوائف والمذاهب، بينما الواجب الشرعي تعلنه القيادات الروحية في الدول الاسلامية مثل ايران وافغانستان ايام حكم طالبان، او في الدول المتعددة من قبل طائفة او مذهب، حمل ابناؤه او بعضهم السلاح، للدفاع عن ابناء مذهبهم وحمايتهم، من الداخل او الخارج، وهو واجب شرعي وملزم لابناء الطائفة او المذهب، لكنه ليس واجبا شرعيا للطوائف الاخرى وغير ملزم لابنائها، ولكنه خيار مطروح قد يقبله البعض وقد لا يقبل، لأن الدولة هي مرجعية هذه الطوائف، وليس هذه المرجعية الدينية او تلك، مع الإشارة الى ان للسنّة مرجعيات غير مرجعيات الشيعة، وكل فريق قد لا يلتزم بما يفتي به او يشرّعه الفريق الآخر.

في المحصّلة النهائىة، لا حلّ في لبنان ولا سلام او استقرار، او عيش واحد مستقرّ ودائم، من دون دولة، لها القرار الوطني، وللشعب واجب التأدية كواجب وطني لا كواجب شرعي.

المصدر:
الديار

خبر عاجل