شدد رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع على "ان اتفاق الطائف لا زال يُعبّر ويُمثل كلّ القوى الفاعلة في الواقع اللبناني، واذا اعتقد بعضهم انه لا يتسع لهم فهم يرتكبون خطأً جسيماً اذ لا مكان لطائفٍ مُعدّل، فإما اتفاق الطائف كما هو والا ذهب البلد الى المجهول".
وعلّق جعجع على افتراض رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" النائب وليد جنبلاط "سلاح "حزب الله" مقابل طائف جديد على الأقل"، أن "هذا الأمر يؤكد من جديد بأن هذا السلاح ليس سلاح "مقاومة" باعتبار ان سلاح أي مقاومة لا يتعاطى بشؤون داخلية ولا يُستعمل لتعديل معادلات داخلية، كما أننا لن نقوم بأي تعديل للدستور تحت وطأة هذا السلاح، فبعد حربٍ دامت 15 سنة توصّل اللبنانيون الى اتفاق الطائف ومن العبث التلاعب به الآن"، لافتاً الى أن "لا حياة سياسية سوية مع استمرار آلة القتل، يجب وقف الاغتيال والقتل السياسي قبل البحث بأي حياة سياسية جدية".
ورأى جعجع "ان اتجاه الحوادث في سوريا لن يعود الى الوراء والوضع يتجه نحو سقوط نظام الأسد"، معرباً عن شعوره بأن "هناك في مكان ما رغبة لدى بعض المرجعيات الدولية بترك الأمور على عواهنها، فلو كانت توجد ارادة دولية ونيّة واضحة لكان سقط النظام من زمان على الرغم من معارضة روسيا والصين".
كلام جعجع جاء مساء الأحد في مقابلة مع تلفزيون "دبي" ضمن برنامج "الشارع العربي"، حيث قال: "ان قوى 14 آذار لا تقوم فعلياً بالتصعيد بل تُطلق صرخة وجع، بعد ان تعرضنا في الستة أشهر الأخيرة الى ثلاث محاولات اغتيال وثالثتهما كانت قاتلة أودت بحياة اللواء الشهيد وسام الحسن الذي كان على رأس أكثر جهاز أمني فعاليةً في السنوات الخمس الأخيرة، فمنذ العام 2005 حتى اللحظة تعرضت هذه القوى الى 25 اغتيال ومحاولة اغتيال طالت قيادات وصحافيين ومفكرين وكأنها حملة لإبادة هذه القوى، فماذا نفعل بمواجهة هذا الواقع؟ خُيّل إلينا للحظة وكأن الفريق الآخر أقلع عن هوايته المفضلة وهي الاغتيال السياسي".
وأكّد جعجع ان "الأدلة الوحيدة التي تُدين الفريق الآخر هو ما صدر عن المحكمة الدولية وما تبيّن في محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، ويبقى ان هناك 25 عملية لم تُكشف بينما الجرائم العادية في لبنان تُكتشف بغالبيتها الساحقة ولكن فقط عمليات الاغتيال التي تطال قوى 14 آذار لا يُكتشف أي شيء منها باستثناء ما صدر عن المحكمة الدولية وما تبيّن بعد محاولة اغتيال حرب"، لافتاً الى "ان المحكمة الدولية تضم أكثر من 100 قاضٍ ومحقق من حوالي 30 دولة محايدة ولا اعتقد ان هناك مؤامرة دولية من هذه الدول لتركيب شيء ما على حزب الله، فقضاة هذه المحكمة من اكبر القضاة المشهود لهم بنزاهتهم في بلدنهم".
وتابع: "ان قوى 14 آذار لا تقوم بالتصعيد بل المصعِّد هو من يقوم بعمليات الاغتيال ويخلط الاوراق بطريقة عنفية لا علاقة لها بالعمل السياسي وكل ما يجب القيام به هو إيقاف آلة القتل".
وأوضح جعجع أنه لم يكن وحيداً في اتهام الفريق الآخر باغتيال اللواء وسام الحسن، مشيراً الى ان "هذا الفريق يبدأ بطهران ولا ينتهي عند شواطئ البحر الابيض المتوسط، وتوزيع الأدوار بين طهران ودمشق وحلفائهما في لبنان لا نستطيع معرفة تفاصيله الا بعد التحقيقات، واذا افترضنا ان اسرائيل اغتالت اللواء الحسن، هل نستطيع ان نُطبق هذه الفرضية أيضاً في محاولة اغتيال حرب أو اغتيالي أنا أو بيار الجميّل أو وليد عيدو أو انطوان غانم؟ لهذه الأسباب نحن نتهم الفريق الآخر، ففي اغتيال جبران تويني تبيّن ان هناك وثيقة عرضتها احدى المحطات العربية وقد تسربت من اجهزة المخابرات السورية يظهر فيها ان حزب الله كان له علاقة بهذا الاغتيال".
وعمّا اذا كان اغتيال اللواء وسام الحسن هو ردٌّ على طائرة أيوب، أجاب جعجع: "أنا لستُ مع هذه النظرية حتى إثبات العكس، فهل هي صدفة ان تكون 25 محاولة اغتيال واغتيال موجّهة ضد قوى 14 آذار؟ ومن هو المستفيد من إزاحة هذا الفريق؟ يجب ان نرى الصورة بأكملها منذ محاولة اغتيال النائب مروان حمادة وحتى اغتيال اللواء وسام الحسن، كل هذه الاغتيالات طالت فريقاً واحداً في لبنان له رأي واحد".
ولفت جعجع الى ان "أجهزة المخابرات في لبنان إضافة الى الجهاز الأمني القوي لدى حزب الله لم تستطع اكتشاف عملية واحدة من بين هذه العمليات الخمسة والعشرين ومن يقف وراءها، في الوقت الذي اكتُشفت فيه اكثر من 35 شبكة تجسس لإسرائيل وحوالي 150 موقوفاً بتهمة التعامل مع اسرائيل وكلّ هؤلاء لا يعلمون أي شيء يتعلق بمحاولات الاغتيال التي وقعت".
وعن اتهام النائب وليد جنبلاط للنظام السوري باغتيال الحسن وليس "حزب الله"، اعتبر جعجع ان "جنبلاط يريد تجنُب مشكلة داخلية، ولكن تجنُب المشكلة الداخلية يكون بطرح الأمور على حقيقتها".
واذ اعتبر ان "ما يُشعل الأمور داخلياً هو من يقوم بعمليات الاغتيال"، أكّد جعجع انه "اذا أردنا أن نبدأ من جديد في لبنان علينا وقف آلة القتل وكشف من يقف وراء الجرائم باعتبار انه مع استمرار آلة القتل لا حياة سياسية جدية في البلد".
وعن مصير المسيحيين وبقائهم منقسمين على خط التوتر السني-الشيعي في المنطقة، رفض جعجع هذا التوصيف ووصفه بغير الدقيق "أقله في لبنان اذ ان المسيحيين كانوا دوماً منقسمين الى حزبين منذ أيام الدستوريين والكتلويين مروراً بالشمعونية والشهابية ومن ثم حلف ونهج، والآن 14 و8 آذار أو القوات والتيار الوطني الحر، وهذا الانقسام يعود الى الفرق بالنظرة الى الامور والتحالفات والى لبنان ككل ودور المسيحيين فيه، هذا ليس انقساماً بالمعنى العائلي او العشائري… ولكن الخلاف اليوم هو بين 8 و14 آذار حيث تتواجد كلّ الطوائف في الفريقين وهذا ليس انقساماً شيعياً-سنياً، فنظرة قوى 14 آذار هي وجود دولة مركزية، قوية وتعمل وفق ما نصّ عليه اتفاق الطائف وتدير اللعبة السياسية تحت ظل القانون، بينما الفريق الآخر يريد دولة لبنانية بالشكل مع الاحتفاظ بالقرار الاستراتيجي لحزب الله بالمشاركة مع النظام السوري وايران، وهذا فرق هائل جداً وتجري الاصطفافات السياسية على هذا الأساس".
ورداً على سؤال، أشار جعجع الى ان "المسيحيين يجب ان يقولوا رأيهم صراحةً في الأمور ولا يستطيعوا ان يلعبوا دوماً دور "أبو ملحم"، اذ ان رئيس الجمهورية والمؤسسات الدستورية هي من تلعب دور الوسيط في حال وجود توتر بين السنّة والشيعة، وهذا التوتر لا يجب ان يمنعنا من ان يكون لنا رأينا الخاص ونظرة معينة حول لبنان، مع العلم ان نظرتنا للأمور هي النظرة المسيحية التقليدية في لبنان منذ عهد الاستقلال وحتى اللحظة ونحن لسنا طرفاً بالمشكلة السنية-الشيعية".
واعتبر جعجع ان "مسايرة المشكلات والمواربة لن تؤدي الى نتيجة، ولا اعتقد ان مصلحة البلد تقتضي ترك الأحداث على ما هي وعدم قول الحقائق، والمصلحة الوطنية العليا تكمن بأن نكون الى جانبها في كل الاوقات بدون خوف او وجل".
وفي الوضع السوري، رأى جعجع "ان اتجاه الأحداث لن يعود الى الوراء والوضع في سوريا يتجه نحو سقوط هذا النظام، ولكن متى؟ هذا هو السؤال الكبير وأشعر في مكان ما برغبة لدى بعض المرجعيات الدولية بترك الأمور على عواهنها، اذ لا يعرفون ما هو النظام البديل وليست بمشكلة لديهم ان لم تعد سوريا كمية استراتيجية في الشرق، وهذا مجرد انطباع لدي، فلو كانت توجد ارادة دولية ونيّة واضحة لكان سقط النظام من زمان على الرغم من معارضة روسيا والصين".
وتابع: "لا اعتقد ان نظاماً سياسياً متطرفاً سيحل مكان النظام الحالي، قد تتطلب الأمور بعد نهاية النظام الحالي الى الكثير من الوقت ، ولكن المجتمع السوري قريب الى حدّ كبير من المجتمع اللبناني".
ورداً على سؤال من الصحافي لقمان سليم، اكّد جعجع "ان الحرب في لبنان كانت أهلية بجانب كبير منها واشترك فيها اللبنانيون بأجمعهم والذين لم يشاركوا فيها إما لأنه لم يكن لهم مكاناً فيها وإما أنهم متخاذلون… فهذه الحرب شملت كل لبنان وهزت الوطن بكيانه اذ كان هناك خلافاً عميقاً بالنظرة الى الدولة وتركيبتها اضافة الى الوجود الفلسطيني المسلّح والعوامل الاقليمية والدولية التي أدت الى ما أدت اليه… ومنطق الكلام عن العفو عن الجرائم ليس صحيحاً فلو تبعنا منطق السيد سليم لكانت كل قيادات الصف الأول والثاني وكل الأحزاب في السجن ولو كانت هذه النظرية صحيحة كان يجب على الشعب اللبناني ألا يُعيد انتخاب هذه القيادات التي لا زالت تحوز على ثقة كبيرة منه".
وسأل جعجع: "اذا كان البعض يتذمرون من نفس القيادات والأحزاب في لبنان فلماذا لا يترشحون في الانتخابات النيابية وليحاولوا تغيير الواقع؟ لماذا لا يتقدمون ويطلبون من الشعب اللبناني تأييدهم؟ في لبنان يوجد حرية العمل السياسي والتعبير عن الرأي ولكن مجرد مهاجمة الآخرين لا تجوز".
ونفى جعجع "ان يكون تيار المستقبل مسلحاً بل هناك بعض المسلحين الذين لديهم سياسة قريبة من هذا التيار ينزلون الى الشارع في حالات التوتر، ونحن لسنا مع المسلّحين والسلاح في الشارع الذي يعود سببه الى ضعف الدولة القائمة، فحين تسمح هذه الدولة لفريق حزب الله بالتصرف على هواه، سيسمح كل مواطن بالتالي لنفسه بإنشاء ميليشيا".
وشدد جعجع على "ان اتفاق الطائف لا زال يُعبّر ويُمثّل كلّ القوى الفاعلة في الواقع اللبناني، واذا اعتقد البعض انه لا يتسع لهم فهم يرتكبون خطأً جسيماً اذ لا مكان لطائف مُعدّل، فإما اتفاق الطائف كما هو والا ذهب البلد الى المجهول".
وعلّق جعجع على افتراض جنبلاط "سلاح حزب الله مقابل طائف جديد على الأقل"، ان "هذا الأمر يؤكد من جديد بأن هذا السلاح ليس سلاح مقاومة لأن سلاح المقاومة لا يتعاطى بشؤون داخلية ولا يُستعمل لتعديل معادلات داخلية كما أننا لن نقوم بأي تعديل للدستور تحت وطأة السلاح، فبعد حرب دامت 15 سنة توصّل اللبنانيون الى اتفاق الطائف ومن العبث التلاعب به الآن".
وأضاف: "لا حياة سياسية سوية مع استمرار آلة القتل، يجب وقف الاغتيال والقتل السياسي قبل البحث بأي لعبة سياسية جدية".
ونفى جعجع "ان يكون اتفاق الطائف هو سبب دخوله السجن بل السبب هو عدم صدق الاطراف التي كان المفترض بها تطبيق هذا الاتفاق، فسوريا أقدمت على مصادرة هذا الاتفاق وتطبيقه تبعاً لمصالحها، فعلى سبيل المثال في اتفاق الطائف لا وجود لأي تنظيم مسلّح فلماذا أبقت على حزب الله؟".
ورداً على سؤال مدير تحرير صحيفة "النهار" غسان حجّار، أجاب جعجع: "ان طي صفحة الحرب ليس تمظهراً بل هو واقع، ونحن لا نحقد على عون ولكننا لا زلنا على خلاف سياسي معه حول طرحَين سياسيين وموضوعَين استراتيجيين، فكيف تكون الخصومة السياسية؟ الاختلاف السياسي لا يعني وجود حقد بيننا".
واذ أعلن ان "نسبة التأييد المسيحي للعماد عون باتت أقل بكثير من السابق والانتخابات النيابية قادمة وهي الحَكَم"، جدد جعجع التأكيد بأن "القانون الانتخابي الأصح هو قانون الدوائر الصغرى الذي هو أقرب الى تأمين المناصفة الحقيقية التي ينصّ عليها اتفاق الطائف".
وردَّ جعجع على بعض أسئلة المشاهدين على موقع "الفايسبوك". وعن امكان وقوع لبنان في فخ احتلال اسرائيلي جديد من دون "حزب الله"، قال: "هل كان لبنان قبل وجود حزب الله في فخ احتلال اسرائيلي جديد؟ طبعاً لا، فلبنان كيان مستقل بحد ذاته لديه جيش ومؤسسات وشعب، ووجود حزب الله يُعرض لبنان الى الخطر اكثر، وما يحميه بالفعل هو كيانه الديبلوماسي والجيش اللبناني".
وعن العلاقة مع اسرائيل، أكّد جعجع "ان القول بأنه رجل اسرائيل في لبنان هو أمر خاطئ، فخلال الحرب كان البعض يأخذ الأسلحة من الخارج وللأسف ان فريقنا استعان بأسلحة وذخائر من اسرائيل للضرورة القصوى باعتبار ان الضروريات الكيانية الكبرى تبيح المحظورات في بعض الأوقات، ولكن بعد استلامي قيادة القوات عام 1986 أقمت علاقات مع الدول العربية وأولها كان مع منظمة التحرير الفلسطينية ومن ثم العراق ومصر والجزائر… الخ وبالرغم من كل هذا يتهمونني بالعمالة، ولكن من يجب اتهامه بالعمالة هم الذين تعاملوا مع اسرائيل بعد انتهاء الحرب، واسرائيل بالنسبة لي هي عدو، واي طرف آخر يعتدي على لبنان يكون بالنسبة لي عدواً أيضاً…"، نافياً أي علاقة له بمجزرة صبرا وشاتيلا ودعاهم الى قراءة تقرير لجنة كاهانا، "وانا حينها كنت قائداً لجبهة الشمال ولا علاقة لي وللقوات اللبنانية بهذه المجزرة واكبر دليل اننا قمنا بأفضل العلاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية".
واعتبر جعجع ان "هذا أسوأ توقيت للبحث في الغاء الطائفية السياسية في لبنان الذي يقتضي اولاً التخلُص من الطائفية الموجودة على الأرض".
وأكّد ان العلاقة مع مصر بعد تسلُم الأخوان الحكم استمرت كما كانت من قبل لأن العلاقة كانت مع المؤسسات الرسمية وليس مع طرف أو آخر.
ولم يبدِ جعجع تخوفاً من وصول نظام متشدد الى الحكم في سوريا "اذ لا يوجد نظاماً متشدداً أكثر من الموجود حالياً".
وعمّا اذا كان يرى نفسه رئيساً للجمهورية اللبنانية، قال جعجع "انا لا أفكر بالأمر بهذا الشكل بل أترك الأمور تأخذ مداها الطبيعي، فعندما نصل الى الانتخابات واذا كان هناك اكثرية نيابية تؤيدني، لمَ لا؟ سأكون فخوراً بذلك، واذا كان العكس سأكمل حياتي السياسية بشكل طبيعي وعلى الأكيد لن اقوم بحملات انتخابية واقناع البعض ومراضاة البعض الآخر… فلن أساوم أبداً".
وأردف جعجع "نحن في تحالف عميق ووثيق ومتين مع تيار المستقبل وكانت آخر نتائجه انتخابات نقابة المحامين في الشمال على سبيل المثال لا الحصر". وأضاف: "ان وليد جنبلاط كان بطلاً في 14 آذار وساهم في خروج السوريين من لبنان وفي خروجي انا من السجن وخروج اللبنانيين من الوضع الذي كان سائداً".
وختم جعجع برسالة الى الشارع العربي قائلاً: "أنا لستُ من صوروه لكم، أنا من هو واتمنى على كل مواطن ومواطنة في الشارع العربي أن يروني على حقيقتي ويتابعوا تصاريحي وخطواتي السياسية وليحكموا بعدها وأنا أقبل بحكمهم كيفما كان".