أحيت جامعة الروح القدس – الكسليك اليوم العالمي للفلسفة، احتفاء بالذكرى المئوية لولادة بول ريكور، في مؤتمر نظّمته كلية الفلسفة والعلوم الإنسانية في الجامعة تحت عنوان: بما تنفعنا الفلسفة إذًا؟"
حضر الافتتاح وزير العدل السابق ابراهيم النجار، المونسينيور سعيد سعيد، نائب رئيس الجامعة الأب البروفسور كرم رزق، نائب رئيس الجامعة للعلاقات الدولية الأب البروفسور جورج حبيقة، نائب رئيس الجامعة للأبحاث الأب البروفسور يوحنا عقيقي، عميدة كلية الفلسفة والعلوم الإنسانية البروفسورة هدى نعمة، بالإضافة إلى أعضاء مجلس الجامعة وجمع من الباحثين والأكاديميين والطلاب.
افتتح المؤتمر بكلمة لرئيسة قسم الفلسفة في الكلية المنظّمة البروفسورة ماري فياض التي تساءلت "في عالم تسوده المفاهيم الفورية، ما الجدوى من الفلسفة، هي التي تتعلق بالأمور الفورية؟ فالجواب على هذا السؤال متناقض". وأكدت "أنه في الواقع، ومن جهة، لم تجتذب الفلسفة منذ أكثر من نصف قرن الاهتمام الذي تلقاه اليوم: نرى أطباء وقضاة يتوجهون نحو الفلسفة محاولين إيجاد أجوبة لأسئلة تدور حول الأدبيات والأخلاقيات والسياسة؛ إضافة إلى أن علماء الكيمياء الحيوية يعاودون اكتشاف أسئلة وجودية كالكون والحياة؛ كما يطرح المتخصصون في علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي نظرية وجود علم جديد عن الحياة. ومن جهة أخرى، وبشكل متناقض، يبدو أن الذين يزاولون تعليم الفلسفة كمهنة، وبغالبية عظمى، قد وقعوا فريسة الانزعاج الشديد. إنهم مقتنعون بعدم إمكانية إيلاء واجباتهم اهتمامًا واعتبارًا بعد الآن، مستنكرين الفساد وعدم الانضباط من قبل الغير متخصصين." وخلصت إلى "أن الفلسفة بحد ذاتها وتعاليمها، على الرغم من براعة تصميمها وتطبيقها، باتت غير قادرة اليوم على مجاراة متطلبات العصر. ومع ذلك، إن مسألة مستقبل الفلسفة وتعاليمها محسومة، حيث أن تفشي التطرف الديني والقومي والعنصري يشهد، ومع زيادة ممارسة الخرافات الشعبية، على أزمة كبيرة قد تؤثر على العالم". كما شددت على أنه "باعتبارها مساحة حرة لاكتشاف الإمكانيات والفرص التي تتيحها العقلانية القائمة، يمكن للفلسفة أن تصبح جزءًا من مؤسسات التعليم والبحث، تعمل بشكلٍ ملموس مع كل التخصصات الأكاديمية التي تساهم في تقدم المعرفة وتعديل الأفكار المعيارية والمتضاربة. إن في مواجهتنا للأفكار وليس الآراء سنشعر بالحاجة المستمرة للعمل على ترقية ورفع الذكاء والفكر والعمل".
ثم كانت مداخلة لوزير العدل السابق ابراهيم النجار الذي اعتبر "أنه من الصعب بالنسبة إلى رجل قانون أن يتحدّث عن الفلسفة أمام رجال الفلسفة، فهناك حواجز لغوية ومفاهيمية ومنهجيّة تفصل بينهما. وكان بول ريكور من قلّة الفلاسفة الذين لم يوفّروا القانون في فلسفتهم، على غرار أرسطو وكلسن وراولز وغيرهم؛ فقد درسوا القانون من جميع نواحيه ووضعوا له أسسًا بنّاءة. وأشار إلى "أن الفلسفة هي منطوق من القانون، فالفرد بحاجة إلى الحقّ والقانون وبول ريكور قد عمل كثيرًا على مبدأ القانون العادل. وهذا ما يؤدي بنا إلى مفهوم العيش المشترك. وهنا تشغل ثلاث مسائل فكر رجل القانون، وهي: القانون الدستوري والحقوق الأساسية وبعض القوانين القابلة للانتهاك من قبل القانون الخاص".
وتحدّث الوزير النجار عن دور الإرادة لدى الأفرد في التساؤل عن القانون وذكر تحدّي المسألة اللبنانية المتعلّقة بالعيش المشترك، حيث يتخبّط لبنان بالنزاعات السياسية والدستورية والثقافية، فضلًا عن التسويات القضائية والقانونية، بعيدًا عن لغة الأرقام. فلم يعد مفهوم الأكثرية المطلقة كافيًا في إطار نسيج الديمقراطية اللبنانية. وأضاف أنّ "وزارة العدل في لبنان لم تصبح وزارة الحريات وحقوق الإنسان بعد، لذلك تحتاج إلى الإصلاح." ثمّ انتقل وتحدّث عن شواغله الأساسية فيما يتعلّق بـ"أنسنة العدالة في لبنان" من خلال الحملات الإعلامية التي تناولت، على سبيل المثال ولا الحصر، مواضيغ إلغاء عقوبة الإعدام والاعتراف بحقوق المرأة ومكافحة بطء الإجراءات القانونية… كما أشار النجار إلى القضايا العالقة في مجال حقوق الإنسان، بخاصة تلك المتصلة بحقوق الطفل والمرأة ومكافحة الاتجار بالبشر ومكافحة التعذيب. واختتم الوزير النجار كلمته بإبداء بعض التساؤلات حول العدالة في لبنان وكيف يمكن حلّ المسائل العالقة. ثمّ اقتبس المبشّر والصحفي والناشط السياسي لاكوردير قائلًا: "بين القويّ والضعيف، الحرية هي التي تقمع والفلسفة هي التي تحرّر، أي بين القانون والفلسفة، القانون هو الذي يقمع والفلسفة هي التي تحرّر. فالفلسفة هي التزام في خدمة المثال الأعلى بالنسبة إلى الفرد. هذا هو هدف الفلسفة إذًا."
من جهته، شدد الأب البروفسور جورج حبيقة، نائب الرئيس للعلاقات الدولية، على دور جامعة الروح القدس في إبقاء شعلة الفكر الفلسفي متقدة في الشرق، على يد العديد من الباحثين والأساتذة الذين أثْروا المقاربات الفلسفية بأعمالهم الرائدة، ذاكرا منهم على الأخص معلم الكسليك وأستاذها الأكبر الأب العلامة إسطفان صقر. وقال:"إعجابنا بالأب صقر هو أبعد ما يكون عن صيغ التمجيد والتعظيم التي يُتقن الشرق فنّ حبكها بخياله المريض والمجنح هرباً من مأساوية الواقع وتحاشياً لمغامرة الموضوعية. إن هذا الإعجاب يشاركنا فيه بجدارة العالِم وقساوة الباحث، فلاسفة ومفكرون عظام من أوروبا المعاصرة. هكذا نرى الفيلسوف الألماني الكبير Hans-Georg GADAMER الذي كان يحمل من الحياة سبعاً وتسعين سنة، يتصارع مع قلمه المرتجف ويضغط على ذاكرته التي تآكلها حَتُّ الزمن، ليعصر منهما في مضمار التحدي للطبيعة الواهنة، رسالةً مقتضبةً تجمع الإيجاز إلى الاكتناز، يقول فيها: "أنا مَدين للأب صقر بنقله كتابي "الحقيقة والمنهج" (Wahrheit und Methode) إلى اللغة الفرنسية، بالتعاون مع البروفسور Paul RICOEUR. وأضاف: "إِنني أسترجع إلى ذاكرتي مهارته اللغويةَ الخارقة التي كان يوظِّفها حتى في تطويع لغتي الألمانية الأم. ويعزِّز هذا التقدير التاريخي لشخصية الأب صقر ومكانته الفلسفية في أوروبا، ما ذكره الفيلسوف الفرنسي المعاصر Paul RICOEUR في معرض إبرازه دور الأب صقر وخدماته للثقافة العالمية حيث يقول: "إن مساهمة الأب صقر في نقل إحدى روائع الفكر الفلسفي المعاصر إلى اللغة الفرنسية، إنما هي إبانة جليّة لدور الوساطة بين الثقافات الذي نجح بالاضطلاع به عالم وفيلسوف لبناني بالرغم من المصاعب التي كان على بلدِه أن يواجهها. لم يكن ليرضى بأن يناضل فقط من أجل إنقاذ ثقافته داخل وطنه، يتابع الفيلسوف RICOEUR، بل تعدّى ذلك إلى القيام بمهمة تبادل الثقافات على الصعيد الدولي. لقد اثبت الأب صقر بالأفعال أن الترجمة هي عمل روحي، تقبل من خلاله اللغة المضيفة بأن تتسع وترتقي، لتتكيّف مع محنة الأجنبي الزائر…" وتابع: "إلى هذا التقدير، يضيف البروفسور André TUILIER من جامعة السوربون: "لقد استطاع الفيلسوف GADAMER القول إنّ الأب صقر كان أفضل المحللين والشارحين لفكره الذي نقله إلى اللغة الفرنسية، وإنّ هذه الترجمة قد سمحت له بأن يدقق حتى في أفكاره ونظرياته هو". ويتابع البروفسور TUILIER: "إن باستطاعة فرنسا أن تتقدم بالشكر من لبنان لأنه يَسَّر لها الاتصال بالفلسفة الألمانية المعاصرة على يد معلم الكسليك".
ثم ألقى الدكتور ناصيف نصار من جامعتي الروح القدس واللبنانية محاضرة بعنوان: "الفلسفة كناقدة للسلطة، انعقدت بعدها الجلسة الأولى بمشاركة الدكتورة منى الزغبي من جامعة الروح القدس التي عرضت للممارسة الحالية لتعليم الفلسفة. كما تطرّق الدكتور جورج يرق إلى موضوع ":تعليم الفلسفة في عصر التكنولوجيا".
وفي الجلسة الثانية تحدثت الدكتورة نورما زكريا من جامعة الروح القدس عن مساهمة الأفكار الفلسفية في المفاهيم التربوية. وألقت الدكتورة سهيلة سلوم مداخلة بعنوان: من الميتافيزيقا إلى علم ما بعد النفس: علم النفس والفلسفة: انقطاع وتحوّل.
وتحدث في الجلسة الثالثة الدكتور مشير عون من الجامعة اللبنانية عن أثر الحكمة الفلسفية على تعزيز الأديان. وتناول الدكتور جوزيف معلوف من الجامعة اللبنانية موضوع: "نحو أخلاقيات المسؤولية تجاه المستقبل". واختتمت الجلسة الثالثة بمداخلة لعميدة كلية الفلسفة والعلوم الإنسانية في جامعة الروح القدس البروفسورة هدى نعمة حول "التعصّب والحرية الدينية: قنوات خلاص أو مصادر نزاع".