#dfp #adsense

“المستقبل”: كيف تعاملت تركيا وإيران وإسرائيل مع صعود الإسلاميين في ربيع العرب؟

حجم الخط

كتب وسام سعادة في صحيفة "المستقبل":

في الشرق الأوسط، ثلاث دول غير عربية: تركيا، ايران، اسرائيل.

الأولى، أي حكومة أنقرة، واكبت مجموع الإنتفاضات الشعبية التي شكّلت "الربيع العربيّ"، سواء كانت انتفاضات بوجه أنظمة "معتدلة" تجاه أميركا والغرب، أو انتفاضات بوجه أنظمة "ممانعة" تجاه أميركا والغرب. أتاحت هذه الإنتفاضات، كما التفاعل التركي الإيجابيّ معها، نفاذ "عبق عثمانيّ" معيّن، رغم الإختلاف الواسع للسياق التركيّ، ابتداء من حسمه الخيار بشكل تاريخيّ جذريّ بإتجاه تبنيّ مفهوم الدولة الأمّة في أعقاب الإنتصار في عشرينيات القرن الماضي، ووصولاً إلى ما تحقّق في العقدين الماضيين من تقويض للعسكريتاريا، وتلطيف للطابع العلمانيّ للدولة، وتصالح مع الهوية الإسلامية للمجتمع، وبروز نموذج "العدالة والتنمية" كحزب إسلاميّ معتدل، يحاكي بشكل نسبيّ، ونسبيّ فقط، تجربة الأحزاب المسيحية المحافظة في أوروبا الغربية، إذ لا يمكن نفي الطابع الشعبويّ عن ظاهرة رجب طيب أردوغان. لكن "العدالة والتنمية" يلتزم في المقابل وبشكل لا قابلية للشكّ فيه مبادئ الجمهورية والمواطنية وحكم القانون الوضعي، كما يلتزم قبل كلّ شيء مرجعية الفكرة الدستوريّة، أي فكرة الحدّ من السلطة، ومن سلطة أي سلطة، وفكرة التداول على السلطة، والفصل بين السلطات.

وهكذا، وكما كان ثمّة تفاؤل مبالغ فيه أحياناً لدى بعض الباحثين الغربيين لجهة تشبيه "العدالة والتنمية" التركيّ بالأحزاب المسيحية المحافظة في أوروبا الغربية، وتحديداً أكثر بـ"المسيحيين الديموقراطيين" في ألمانيا، فقد انكشف وخاب بسرعة أكبر التفاؤل بسهولة تطوّر التشكيلات السياسية المتفرّعة عن تجربة الإخوان المسلمين في مصر والبلدان العربية الأخرى المشمولة بـ"الربيع العربي" لمحاكاة تجربة "العدالة والتنمية" التركيّ. فهذه التشكيلات ما زالت في "نصف الطريق" بين تقبّل مرجعية الفكرة الدستوريّة ومحاولة تطويقها، ولا تزال مشكلتها عويصة مع القوانين الوضعية، وشبه مستعصية مع مبدأ المساواة في المواطنية، سواء على صعيد العلاقة مع الأقليّات الدينية، أو على صعيد تحرير المرأة. والأخطر من ذلك كلّه ، ان اكثر البلدان العربية تفتقر الى ما يعادل القطيعة التاريخية التي حقّقها الأتراك بقيادة مصطفى كمال في العشرينيات، وفي اعقاب حرب الإستقلال التركية، والتي سمحت بتكريس مبدأ الدولة الأمة، ما أبقى الحركات الإسلامية، كما تلك القومية في البلدان العربية، أسيرة النظرة إلى "أمّة رسالية" موجودة دائماً "ما وراء الحدود"، ومحتكرة عملياً من جانب عصبية أو طائفة دون سواها "داخل الحدود".

في المقابل، يمكن الظنّ بحزب "العدالة والتنمية" التركيّ أشياء كثيرة، والمغامرة بتصوّر برنامج "تقية" لديه في هذا الشأن أو ذاك، إلا أنّه لا يمكن بأية حال من الأحوال الطعن في تبنيه الكامل لمبدأ "الدولة الأمة"، لأنه ليس مبدأ نظرياً في تركيا فقط، بل هو الإطار الحافظ والمراكم للتجربة التركية الحديثة منذ العشرينيات من القرن الماضي وإلى اليوم.

بيد أنّ صعوبة محاكاة التشكيلات الإخوانية العربية للتجربة التركية يخفّف منها تعدّد أشكال المواكبة التركية للمرحلة الإنتقالية في البلدان العربية المشمولة بـ"الربيع".

في المقابل، تصرّفت ايران بعقليّة طاووسية منذ البدء مع هذه الإنتفاضات. استبشرت قيام "شرق أوسط اسلاميّ" في مرحلة أولى، لتندفع في مرحلة ثانية إلى الإستماتة لأجل الدفاع عن "الحصن الأخير للعلمانية في الشرق"، أي النظام الفئويّ البعثيّ الدمويّ في سوريا كما يسوّق لنفسه. إلا أنّه، وعلى الرّغم من ذلك، لا ينبغي الإندفاع لتوهّم "الطلاق النهائيّ" بين الإخوان المسلمين في مصر أو تونس أو غيرهما وبين ايران، كما أنّ النفوذ الإيرانيّ في حركة "حماس" تراجع الى حد كبير بعد موقف الحركة من النظام السوريّ لكنه لم يندثر، وايران لم تنسَ في أي يوم من الأيّام أن حركة حماس هي الفرع الفلسطيني لـ"الإخوان المسلمين" وليست بأية حال من الأحوال فصيلاً متماهياً مذهبياً وايديولوجياً معها كـ"حزب الله".

والموضوع أساساً لا ينحصر بحركتي "حماس" و"الجهاد". هناك قبل كلّ شيء، مقدار معيّن من "الوصل" بين ايران والإخوان المسلمين المصريين. هذا الوصل لا يلغيه الإفتراق المذهبي الأيديولوجيّ، ولا الدور التركي أو القطريّ، ولا الاختلاف في المسألة السورية.

وإذا كانت تركيا اعتمدت استراتيجية التكامل العام مع "الربيع العربيّ" والسعي الى ضبط تطوّره قدر الإمكان في اتجاه بناء دول ذات طابع دستوريّ، في حين تصرّفت معه ايران بالطاووسية المشار اليها، فإنّ اسرائيل تعاملت أساساً مع الربيع العربي من الزاوية الأمنية، أي طرحت قبل كلّ شيء السؤال عن مضاعفاته على ما تعتبر أنّها "الحدود" التي شرعت في فرضها بشكل أحاديّ، سواء بالإنسحاب من غزّة، أو ببناء "الجدار" العنصريّ في الضفة الغربية، أو بالقرار 1701 في جنوب لبنان. يعني هذا، استراتيجياً، ان اسرائيل تتعامل مع الربيع العربي كتكريس للانتقال من زمن الصراع العربي – الاسرائيلي الى زمن التصادم الاسلامي – الاسرائيليّ (ايران ثم تركيا)، وانها تعتبر ان السلام كان مطروحاً فقط كمخرج من الصراع العربيّ – الاسرائيليّ، في حين ان الانعزال، ضمن "حدود آمنة"، يغني عن كلّ سلام في مرحلة الربيع العربيّ، وصعود التيّارات الإسلامية.

في الماضي، كان يمكن القول إنّ اسرائيل تشنّ حروباً من أجل فرض اتفاقيات سلام معيّنة على البلدان المجاورة. أمّا اليوم، فإنّها تشنّ الحرب في غزّة من أجل التحلّل بشكل كامل من أي سلام ممكن، وفرض منطق "الجزيرة النووية الآمنة" بالقوة. وقد فات هذا المنطق أنّ الواقع الجغرافيّ ليس كذلك: اسرائيل ليست جزيرة.

 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل