أذكر انه في اربعين والدي قبل اعوام، رأيت الوزير بيار الجميّل يحدق طيلة القداس بشقيقتيّ الصغيرتين ناديا وغابرييلا، ولم يفارقهما نظره بعينين دامعتين. ثم قبل نهاية القداس، رأيته يخرج مسرعاً، يمسح دموعه خلسة عن الجموع. يومذاك أثر فيّ عميقاً ولفتني كونه، ربما، من السياسيين النادرين الذين لم يفقدوا مشاعرهم وأحاسيسهم الانسانية السامية، وربما كان يشعر معنا لانه ايضاً كان يشعر بالأبوة وبثقل المسؤولية تجاه ولديه في بلد مثقل بالاخطار، وضمن عائلة عرفت معنى التضحية والشهادة وخبرتها.
ثم لم يلبث ان ضربه الارهاب الذي لم يرحم أحداً ممن أرادوا ان يبنوا وطناً حقيقياً، ومضوا في ثورة استقلال حقيقية.
طريقة اغتياله كانت مريعة، إذ ان القاتل لم يتردد دقيقة قبل الضغط على الزناد في وسط شارع مزدحم بالناس. ومن يقتل بهذه الطريقة وببرودة الدم تلك، لا يمكن ان تكون له أي صلة بالانسانية والانسان، وبالله وبالقيم.
حقد عميق فجره المجرمون على لبنان الحضارة والانسان، الذي ربما تراءى له في وجه بيار الذي اطلق يوماً شعاره "بتحب لبنان حبّ صناعته"، برغبة حقيقية في النهوض بلبنان.
ماذا بقي من حلم بيار الجميّل واحلام كل الشهداء؟ البعض، وخصوصاً من كان يختلف مع بيار في السياسة، يلومنا لاننا نذكر دائماً بالشهداء، ونتحدث عنهم، وينتقدوننا لاننا في كل ذكرى نردد الشعارات والقيم والمبادئ التي استشهدوا من اجلها وكأننا نقترف خطيئة مميتة.
فليعذرنا هؤلاء، لاننا لا نريد ان ننسى، ولأننا نعتبر ان اقل واجباتنا ان نتذكر شهداءنا في كل لحظة ومناسبة، فهل يريدون ايضاً بعد اغتيال اهلنا وقادتنا ان يغتالوا ذاكرتنا وتاريخنا؟
في مثل هذه الايام نتذكر الشهيدين بيار الجميّل ورفيقه سمير الشرتوني، واذا عدنا الى الوراء، الى بعض البعيد، نذكر الرئيس الشهيد رينه معوض، ومذ ذاك كان لنا، في كل يوم ذكرى شهيد، شهداء الحرب الاهلية، وشهداء الحروب المتتالية، والشهداء الذين سقطوا في حرب تموز 2006 وهم في منازلهم، وشهداء الجيش اللبناني في نهر البارد، وشهداء الصحافة، وشهداء الصليب الاحمر، وشهداء ثورة الارز، حتى كدنا ان نكون مواطنين شهداء في وطن الشهداء.
لكن، ولو خسرنا الكثير، فهذا لا يعني اننا يجب الا نتذكر، او ان نعتاد الامر، وننسى، كالذين هزلت ذاكرتهم، فلم تعد تقوى على الخروج من بئر الاحزان. نحن لا ننسى ولا نريد ان ننسى شهداءنا، والمجرمون لن يدعونا ننسى ما داموا يحملون باستمرار خناجر الغدر وسيوف القتل وثقافة اغتيال الآخر المختلف عن ثقافتهم.
ان النسيان لا يوازي الغفران، لانه حيال الاصرار على القتل يكون النسيان جريمة تفوق الاغتيال.