Site icon Lebanese Forces Official Website

عقاب المدن

 في سفر التثنية (21،2) يوصي الله الإسرائيليين باتباع سياسة "البطانية الشاملة": تفويض على بياض، في معاقبة المدن التي لا تقبل بهم أسياداً عليها: اقضوا على الذكور بحدّ السيف، واخطفوا الثيران والنساء والأطفال. لكن الرجل الذي سبى صبية لا تعرفه، سوف يواجه مشكلة المعاشرة، لأنه قتل للتو والديها واشقاءها، ولن تكون في مزاج رائق. الحل؟ على الخاطف ان يحلق شعر رأسها، وينزع أظافرها، ويسجنها في بيته، باكية الى ان تجف مدامعها. عندها يمكنه ان يغتصبها.(1)

بالنسبة الى سائر الاعداء (الحثيين، العموريين، الكنعانيين وغيرهم) يجب ان تكون الإبادة كاملة: "عليكم ألا تتركوا على قيد الحياة كل ما يتنفس بل ان تدمروهم تماماً، كما أمركم الرب إلهكم".

ينفِّذ يشوع بن نون هذه التعليمات بحذافيرها، عندما يغزو أرض كنعان، وتهوي أمامه أسوار أريحا "دمَّر كل ما في المدينة، ذكراً وأنثى، شاباً وعجوزاً، والثيران والأغنام والحمير، بحدّ السيف"، ومن ثم "أهلك بلد التلال الى الجنوب برمته والوادي وأرض الينابيع وجميع الملوك. وما أبقى في النهاية على شيء، مبيداً كل ما يتنفس كما أمر الرب إله إسرائيل".

بعد اغتيال اسحق رابين أراد بنيامين نتنياهو تقديم العزاء فرفضت ليا رابين استقباله معلنة أنها لا تقبل مصافحة قاتل. لكن هذا الرجل هو الذي فاز بعد وقت قصير بالانتخابات والحكم، وقد حسمت النتائج لحسابه، أصوات السجناء (نحو 20 ألفاً). وإذ خرج مؤيدوه الى الشوارع يهتفون، رددوا جملة واحدة: "ملك اسرائيل"! منذ تلك اللحظة لم تظهر أي مبادرة أو اجتماع أو خطوة جدية في سبيل السلام.

حاول بيل كلينتون أن ينهي رئاسته بخطوة تاريخية في سلام الشرق الأوسط. وذات يوم فيما كان ينتظر نتنياهو في البيت الأبيض اندلعت في واشنطن حكاية المتدرّبة مونيكا ليوينسكي: لقد كان الرئيس يدرِّبها على أشياء خارج مسؤوليات الأمن القومي. وأثبت اللوبي الاسرائيلي أن يده لا تزال طائلة في البيت الأبيض.

في مجتمع لا يزال قائماً على ادعاء العفة، بدأ التحضير لولاية أوباما الثانية بانفجار بالونات ملونة في سماء واشنطن: آمر الأسرار الكبرى، ديفيد بيترايوس، يذهب ضحية سرّ صغير من أسرار النحل والدبابير. وفيما تُلملم واشنطن أطراف التنانير بصعوبة، وجّه نتنياهو الضربة الأخرى الى أوباما في غزة. يعرف أنه سوف يؤيد إسرائيل على "حماس". ويعرف ان ذلك سوف ينسف سياسته في الشرق الأوسط.

حتى اغتيال رابين، كانت تظهر في إسرائيل بعض القوى اليسارية المنادية بالسلام. منذ ذلك الوقت لم يعد يخلف أرييل شارون سوى نتنياهو. وأضاف الى نفسه أفيغدور ليبرمان، ومعهما الأب الروحي، الحاخام عوفاديا يوسف، الذي، مثل يشوع بن نون، يقضي بإبادة كل من يتنفس من الفلسطينيين.

جئت الى نيويورك المرة الاولى خريف 1973، واندلعت الحرب ونحن في أروقة الأمم المتحدة، نتوقع كل شيء إلاّ الحرب. عشنا أياماً في زهو العبور ثم شاهدنا وزير خارجية مصر الدكتور حسن الزيات (صهر طه حسين) يبكي في مجلس الأمن بجسمه الضخم وعواطفه الجياشة. لكننا اعتقدنا ان مرحلة جديدة سوف تبدأ في أي حال. وعندما رأينا الطوابير الهائلة أمام محطات البنزين، وما يعانيه الأميركي العادي بسبب انحياز دولته، خطر لنا أن الشرق سوف يتغير، وأننا سوف نرى بعد قليل دولة فلسطينية الى جانب فانواتو والرأس الأخضر وجزر فارو.

مضت أربعون عاماً الآن والرئيس محمود عباس يطلب دولة بصفة مراقب يدخل بها هيئة الأمم. ولكن يا عزيزي لا يستطيع أبو مازن أيضاً دخول غزة. لقد جاء الى القاهرة كي يستطيع، الى جانب محمد مرسي، التحدث باسم الموجة الجديدة من الضحايا.

هل كان ذلك يخيَّل إليك ذات يوم؟ فلسطين دولتان وكلتاهما ممنوعة من دخول "عصبة الأمم" كما سماها عمانوئيل كانط في المرة الأولى عندما كان القرن الثامن عشر يبرق بأنوار النهضة.
عندما تكون في روما تسمع ماذا يدور في روما. وروما المعاصرة، حديثها في الليل وفي النهار، نساء الجنرال. أو الجنرالين. وكان المؤرخ اليوناني بلوتارك قد قال بعد الإنعام عليه بالجنسية الرومانية إن إمرأة القيصر فوق الشبهات. نتمنى ألا تكون كل تأريخاته بهذه الدقة. فالمعروف أن 12 قيصراً في روما، كانوا يميلون الى الذكور من المخلوقات، وأن اثنين منهم فحّشا في الأمهات والشقيقات تحت الشبهات، وفوقها، وبين بين.

الموضوع في روما المعاصرة هو القيصر، وليس زوجته، بل زوجات الآخرين. وقد تفجرت قضية ديفيد بيترايوس وكاتبة سيرته بولا برودويل، عندما شعرت هذه بالغيرة من حسناء أخرى، السيدة جيل كيلي، المولودة خوام، مواطنة عزيزة ذات يوم.

قصتها بائسة، السيدة خوام. الطموح يؤذي أحياناً. فالمسز كيلي أرادت أن تكون الوجه الاجتماعي الأول، في تامبا، فلوريدا. ولمَ لا؟ جمال شرقي، وأناقة لبنانية، وزوج من أطباء المدينة. هكذا راحت تقيم الحفلات على الطريقة اللبنانية وتتبرع في المناسبات، على الطريقة اللبنانية أيضاً. وأحبت المدينة. ونشرت صورها المجلات الملونة. وحلّ ضيوفاً عليها جنرالات القاعدة العسكرية المجاورة، بكل النجوم على الأكتاف، ونياشين المعارك على الصدور.

كانت المسز كيلي، ويا للأسف، تخبئ خلف الفتنة اللبنانية، آفة لبنانية: ما تصرفه لا تملكه! والديون أخذت تلاحقها ولم يعد في إمكانها أن تخبئها خلف ابتسامتها، أو أن ترسلها على كتفيها مثل شعرها الفاحم.2) تسع مرات لاحقت المحاكم الدكتور سكوت كيلي وزوجته، في قضايا بالملايين. انتهى شراء مبنى في وسط المدينة بـ2,1 مليوني دولار، بالمصادرة. وعجز الزوجان عن ايفاء 280 ألف دولار لبطاقة الائتمان. وهناك سحوبات غير مدفوعة بـ 250 ألفاً و 79 ألفاً و 75 ألفاً . وعام 2005 تمّ التوصل الى تسوية مع أحد المصارف، دفعا بموجبها 85 ألفاً بدل 250 ألفاً، مقسّطة 850 دولاراً في الشهر.

مثل جميع المغتربين (والمقيمين) أرادت السيدة خوام لقباً يتماشى مع أضواء تامبا. ولا نعرف إن كانت قد تقدّمت بطلب الى الوطن الأم كقنصلة فخرية كما فعل نحو 12 مليون متحدّر من قبل، لكنها في أي حال أصبحت قنصل كوريا الجنوبية الفخري ووضعت على لوحة سيارتها: القنصل الأول! ذهبتُ مرة أزور عائلة لبنانية في تورونتو وكانت ربة البيت من زحلة. وقالت لي ضاحكة مفاخرة: هل لاحظت أن بيتنا هو الرقم واحد في الشارع؟ كانت هناك لوحة عريضة على الباب تُعلن ذلك، ولم يكن في الشارع أكثر من عشرين رقماً، في أي حال. والشارع كان عادياً والدائرة عادية في مدينة من ملايين البشر.

القطط تموء والبشر يشتمون. وفي أميركا، مثل كل الأمم، شيء على هامش الصحافة، يسمى أيضاً، الصحافة. هذه ليست ميزتها خلوّ المنطق أو العقل، بل ما هو أسوأ بكثير: خلوّ الخلق والكرامة. لقيت هذه "الصحافة" في المسز كيلي ومتاعبها المالية وجذورها اللبنانية مزيجاً ذهبياً لعناوين التشهير: مرة هي ماتا هاري الجنرالات في تامبا ومرة هي عميلة خفية لـ"حزب الله" قررت اختراق الأمن القومي الأميركي.

يقول المثل إن على الكذاب أن يمتلك ذاكرة جيدة. ولكن ماذا يحدث إذا كان لا يملكها؟ هذا كل ما لديه وهذا ما اعتاد أن يقدمه للناس. كل الناس تعرف أن ميزان اللحام يغشّ لمصلحة صاحبه. وجميع الناس يعودون الى الشراء من عنده. القواعد القديمة لا تخطئ: الناس تهوى أن تضحك منها، لأن الحقائق غير جذابة دائماً. وربما أبداً.

صحافة الكاوبوي. كانت هناك جملة تتردد في معظم الأفلام: "أقرب شريف (مخفر) يبعد 90 ميلاً من هنا". أي القانون غائب وكرامات البشر وأحاسيسهم حرث لك. وإن لم تستح فافعل ما شئت. بماذا تستطيع أن تخيف أصحاب الضمير الميت؟ هل فاتك أن ما يرتكبه نتنياهو حيال الفلسطينيين ليس سوى دفاع عن النفس، وأن الجيش الذي خاض كل الحروب واحتل كل الأراضي، إنما هو "جيش الدفاع" الإسرائيلي. والباقون، مَن هم الباقون؟ إرهاب مسلح. غريب خطاب الظلم، منذ أيام المسيو دو لافونتين الذي سبقه وأثّر فيه، عبدالله بن المقفع. وقد سمّي كذلك، حفظك الله، لأن والده متهم بالسرقة فأمر الخليفة بسحق يده، أو قفعها. أما هو فعاد وقُفع كله، لأنه استخدم لغة التورية في نقد الخليفة. وقد سألت مرة الراحل العزيز رواد طربيه كيف يترجم كلمة Nuance الى العربية، فقال "اللطائف"، بذلك يكون ابن المقفع قد قضى ضحية اللطائف.

(1) "تاريخ العنف والإنسانية"، ستيفن بينكر، منشورات بنغوين.
(2) "يو أس آي توداي".

Exit mobile version