قلة قليلة جداً من مراقبي الوضع في الجنوب كانوا يعتقدون ان الحدث في غزة قد يمر من دون ان تكون له تداعيات او اصداء في الساحة الجنوبية.
لذا لم يكن مفاجئاً ان تكشف الأجهزة الأمنية الرسمية أول من امس عن صاروخين كانا معدين للانطلاق باتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة، فهذا الأمر كان حتمي الحدوث في توقع الكثيرين. ولكن السؤال الذي فرض نفسه مباشرة عقب عملية اكتشاف الصاروخين هو: هل ان الامر سيبقى في نطاق الرسالة المتعددة الاتجاه ام انه ستكون له ملحقاته الأكثر فاعلية اذا ما طال امد المواجهة الحاصلة بين غزة والاسرائيليين؟ فمنذ عام 2000، وبالتحديد بعد الجلاء العسكري الاسرائيلي عن الشريط الحدودي الجنوبي الذي كان محتلاً لعقود عدة، انعقدت في الوعي وفي الحيز العملاني معادلة عنوانها العريض الربط بين الأحداث والتطورات على الساحة الفلسطينية وبين تطورات مرتقبة من الجنوب اللبناني تساند الجانب الفلسطيني وتدعمه.
البدايات الاولى كانت كما هو معلوم ابان الانتفاضة الفلسطينية الثانية وانتفاضة الاقصى بعد اشهر معدودات على الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب، فالظروف والمعطيات اللبنانية التي كانت قائمة يومذاك، ابان ما صار يعرف بحقبة "الوصاية السورية"، كانت تبيح لـ"حزب الله" ان يستخدم بحرية مطلقة ساحة مزارع شبعا ميداناً يترجم فيها دعمه للانتفاضة الفلسطينية كما كانت تسمح للحزب بأن يمهد الطريق والارض لمجموعات فلسطينية لكي تعبر الى الداخل الاسرائيلي (عملية السلم الحديد الذي رفع فوق السياج الحدودي الاسرائيلي) وتنفذ هجمات ضد القوات الاسرائيلية.
وبعد الجلاء الاسرائيلي عن غزة وقطاعها عام 2005 وانتهاء انتفاضة الاقصى في الضفة الغربية، وتعهد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الحيلولة دون تكرارها، صار الربط بين الساحة الجنوبية وقطاع غزة على وجه التحديد، لا سيما بعدما قبضت حركة "حماس" على زمام السلطة في هذه المدينة وقطاعها وحوّلتها دويلة لها.
وكانت ذورة الربط في تموز 2006 حيث كانت الحرب الاسرائيلية عامذاك على لبنان إثر عملية نفذها "حزب الله" لأسر جنديين اسرائيليين بالشكل ولكن في المضمون كانت العملية لنجدة "حماس" التي كانت تتعرض لهجمات اسرائيلية موجعة ومدمرة.
بعد القرار الدولي 1701 تغير واقع الحال في الساحة الجنوبية فصارت حركة الحزب في هذه الساحة خاضعة لقيود اوسع ولاعتبارات اكثر قساوة، واضطر لكي يتكيف مع الواقع المستجد والمرير بالنسبة اليه في الجنوب أن يبتدع اشكالاً أخرى من الدعم لحليفته في محور الممانعة حركة "حماس" لا سيما ساعة تنفتح ابواب المواجهة بينها وبين الآلة العسكرية الاسرائيلية. وعليه، تركز شكل الدعم على وسائل أخرى واسناد مباشر في ميدان المواجهة في غزة بالخبرات الاحترافية أولاً حيث تم تهريب رموز الى داخل غزة بنت منظومات دفاعية، ثم بتخصيص شبكات ومجموعة لنقل الصواريخ والأعتدة والذخائر، وهي عملية تعززت بعد الاحداث في مصر التي ادت الى الاطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، وما تلا ذلك من تخفيف قبضة الأمن المصري على الحدود بين سيناء وغزة وقطاعها، وفي مرحلة من المراحل المتأخرة كثر الحديث عن وجود قوي لشبكات تهريب تتصل بالحزب تظهر في مناطق عدة من صحراء سيناء مما أقض مضاجع الاسرائيليين والمصريين على حد سواء خصوصاً بعد ورود معلومات تشير الى ان ترسانات الاسلحة والصواريخ تنقل بحراُ الى اماكن في السودان ثم تفكك لتنقل عبر صحراء سيناء الى غزة.
وعليه انخرط الحزب في هذه اللعبة المستجدة لتعزيز امتداده الفلسطيني في محور الممانعة. ولكن ماذا عن الساحة الجنوبية، هل تخلى عنها؟ وما علاقته بسلسلة الصواريخ التي طالما اطلقت باتجاه الاراضي المحتلة في مناسبات مختلفة او التي اعلن عن اكتشافها كما حصل أول من امس؟
كان اللافت في محطات عدة ان مجموعات يستشف من الاسم الذي تحمله علاقاتها مع تنظيم "القاعدة" مثل مجموعة عبدالله عزام، اعلنت اكثر من مرة تصريحاً او تلميحاً انها في صدد التمركز في ساحة الجنوب اللبناني، ولاحقاً اعلنت مسؤوليتها عن عمليات اطلاق صواريخ من مناطق جنوبية في اتجاه اصبع الجليل المحتل. وفي المقابل كان "حزب الله" يسارع الى نفي علاقته بالأمر وعدم مسؤوليته عن الصواريخ المطلقة او المكتشفة خصوصاً ان بعض هذه العمليات كانت تكشف عدم احتراف وتظهر انها من عمل هواة، ذلك ان بعض هذه الصواريخ كان يضل طريقه ليسقط في بلدات لبنانية أو في محيطها.
وكل ذلك أعطى انطباعاً لدى المراقبين فحواه ان ثمة قوى ومجموعات فلسطينية سارعت الى تأكيد حضورها العسكري في الساحة الجنوبية لاعتبارين اساسيين:
الأول، لكي تقول انها لا تقل كفاءة وقدرة عن "حزب الله" في مجال ملء الفراغ ومقارعة الاسرائيليين، وان ساعة حلولها محل الحزب في هذا الميدان آتية لا ريب فيها.
الثاني، ان الوضع في منطقة عمل القوة الدولية "اليونيفيل" (اي جنوب الليطاني)، ليس ممسوكاً وان بالامكان اختراقه حتى مع وجود اكثر من 13 الف جندي دولي معززين. وبمعنى أو بآخر كان ثمة جهود ومساع تبذل لكي يتكرس في الساحة الجنوبية الخاضعة لعمل "اليونيفيل" وقائع ومعطيات جديدة لا علاقة لها بمرحلة ما قبل صدور القرار 1701 وأبرزها:
– ان هذه الساحة لم تعد حكراً على جهة واحدة، وأن الجهة التي كانت في السابق سيدة المواقف آلت الى افول او الى استغراق بقضايا اخرى جوهرها الدفاع عن الوجود.
– يتعين من الآن فصاعداً اخذ العامل الفلسطيني وعامل المجموعات السلفية الجهادية على محمل الجد خصوصاً انها ليست طارئة على الساحة إذ ان المخيمات الفلسطينية المتعددة هي بيئة حاضنة لها.
– إنه في كل مرة تشتعل فيها جبهة المواجهة بين غزة واسرائيل ينبغي الالتفات الى الجنوب وانتظار مفاجآت منه على غرار ما حصل أخيراً.
– إن "حزب الله" نفسه لا يبادر اطلاقاً الى اعطاء تطمينات لمن يوجه اليه السؤال، فلا هو في وارد التعهد بالامتناع عن عمل ما ولا هو في وارد الاشارة نفياً او تأكيداً لعلاقته بحدث ما او معرفته السابقة بمن افتعل هذا الحدث، فهو غير معني بأن يقدم اية معلومات لأي جهة أو ان يكشف ما يعتزم القيام به في هذا الإطار.
– وبناء على ذلك فإن السؤال الجوهري ليس من الذي اعد وخطط ودبّر، بل عن أبعاد رسالة الصواريخ وهل هي من باب التذكير بأن على من يعنيهم الأمر الا يتكئوا كثيراً على فرضية ان الجنوب لم يعد ساحة باردة ام انها مقدمة لشيء أوسع، وتمهيد لعمل اكثر خطورة؟
ورغم كل ذلك فإن الجهات الداخلية والخارجية التي تنصّب نفسها قيّمة على الشأن الجنوبي تتصرف على اساس ان الصاروخين المكتشفين اخيراً لم يعدا ليطلقا بل ليتم ضبطهما ليس إلا. ولكن هذا لا يعني ان باب الاحتمالات الاخرى موصد تماماً.