لا نعتقد أن تداعيات الأزمة السورية على لبنان، ومثلها حديثاً وطارئاً تداعيات العدوان الاسرائيلي على غزة، هي من الجلال والخطورة والأشد ايلاماً للناس من مقتلة السير اليومية والأزمة المرورية الأبدية في بيروت وضواحيها امتداداً الى سائر المناطق.
تُبرز جمعية "اليازا"، وهي الأنشط والأفعل بين سائر أندادها من جمعيات المجتمع المدني، رقماً صادماً مفجعاً لحصيلة السنة 2012 قبل شهر ونيف من نهايتها، تُقدر بموجبه عدد ضحايا حوادث السير بأكثر من 700 قتيل وزهاء عشرة آلاف جريح. قد لا يكون من المبالغة ان هذه الحصيلة تختصر حال دولة وشعب وفرد لا يشارفون الانتحار، بل هم منتحرون. بل لعلها جاهلية على مستوى دولة في مسؤوليتها المنعدمة عن "شنّ" حال طوارئ قصوى لوقف هذه المقتلة. ولعلها جاهلية عدمية اخرى على مستوى الافراد الذين يستهينون بالحياة وبالثقافة المرورية وبالقانون ولو تركه حراسه عرضة لكل من يستهوي الموت والقتل على قارعة الطريق.
هذا الجنون الانتحاري هو نتاج عصبية منفجرة في دواخل اللبنانيين، لا تجد متنفسا لها سوى في اسفل كعب القدم، حيث يبلغ النزق ذروته في قطع الرابط مع الخوف من الموت والاستسهال والانقياد لنزق السرعة. هو تراكم التراكم في يوميات فرد متروك نهباً لأزماته التي لا مكان لها في دولة لا تتقن التخطيط لحياة ابنائها ولا تعرف من السياسة سوى خدمة الفاسدين ومواكبهم الأشبه بتلك المشاريع التي تفوح بالنهب. بل هي أشبه بمواكب هؤلاء العظماء الذين غالبا ما يدوسون مواكب الناس والسيارات المرصوصة في زحمة السير لأن العظيم لا ينتظر كالعامة ولا يجوز خضوعه للقانون.
اما تلك الازمة الابدية في شوارع بيروت وعند مداخلها، ومعها المقتلة اليومية في حرق الاعمار والاعصاب، فليست سوى صورتنا القبيحة امام مرآة شفافة.
بالأمس كاد عشرات الألوف يكفرون بقدس القيم، أي الاستقلال لأن بيروت استحالت مخنقاً يأسر الخارج المفقود من منزله والعائد المولود اليه. ولن يتوقف الامر عند محطة جليلة فقط، فالآتي أعظم في مواسم الاعياد وقبلها وبعدها وكل يوم.
بيروت، وعبرها صورة لبنان، عاصمة الاشراق والحياة، تختنق وتستحيل "باركينغ" بل هي معتقل معدني عملاق. ولا من يتحرك او يحرك ساكنا. ومن قال ان الموت هو على الطريق فقط وليس في من يقبعون متجاهلين هذه المقتلة امواتا عن المسؤولية.
هي دولة قبيحة، لكنها على صورتنا.
