مقابل سلاح "الممانعة" وغير الشرعي، ابتكرت قوى 14 آذار سلاحاً فاعلاً هو سلاح مقاطعة الحكومة في مجلس النواب وطاولة الحوار التي يشارك فيها الملتفّون حول الحوار. من دون تهديد ووعيد، ومن دون تحدّ واستكبار واستعراضات، ومن دون ممارسات مخلّة بصورة لبنان الديموقراطي الحضاري ومعطّلة لحياة الشعب اللبناني، قررت قوى 14 آذار أن تقاطع كل من يهدّد العيش المشترك واستقرار البلد.
الواقع هنا ليس مغايراً. فلم ينسَ اللبنانيون بعد أن الحكومة هي التي عطّلت نفسها بنفسها في مرحلة من مراحل الانقطاع المستمرّ للتيار الكهربائي، على خلفية قضية المياومين. وكان مجلس الوزراء في حينها يشهد على مناكفات بين الوزراء جرّاء إصرار كل منهم على تأمين مصالحه الشخصية.. وفي المحصّلة تراجع النموّ الاقتصادي حتى الـ1% في حين كان رئيس حكومة السلاح نجيب ميقاتي يضيف بعضاً من "البهار والملح" على الأرقام ليقع في فخّ التحوير!
وينطبق على هذه الحكومة المثل القائل "من إيدو الله يزيدو".. فالأزمة إذاً هي تراكمية ولم تتفاقم مع مقاطعة قوى 14 آذار للحكومة. لكن قوى 8 آذار لم تتوحّد سوى على كلمة "التعطيل" لاتهام قوى 14 آذار بالتعطيل بينما يبقى الأخير سلاحهم الوحيد الواضح العلني والصريح والذي لا يطعن اللبنانيين في ظهرهم وإنما يقودهم الى الخيار الأكثر صحة وهو المضي في مقاطعة كل ما يجمع قوى 14 آذار بأي من قوى 8 آذار، حيث إن النظرة الى لبنان الدولة تختلف بين الفريقين خصوصاً بعدما خسر الأول خيرة رجاله.
صحيح أن المقاطعة تلامس حتى المناسبات الكبرى والزيارات الرئاسية وزيارة الرئيس الأرميني للبنان، إلا أن قوى 14 آذار بحسب أوساطها، لن تقدّم بعد اليوم التنازلات بعدما مارست منذ العام 2005 سياسة مدّ اليد التي قطعها السلاح.. فأيّهما أخطر مقاطعة حكومة الفساد والارتهان الخارجي أم قطع السلاح لسياسة مدّ اليد؟ وهذا كله ينسحب أيضاً على قوى 14 آذار في الخارج حيث أكّدت في فرنسا أنها "تقاطع احتفال الاستقلال بسبب حضور ميقاتي".
فإذا كانت حكومة السلاح تعتبر أنه من حقّ عناصر "حزب الله" التهرّب من عقاب المحكمة الدولية، وأن يزوّر أنسباؤه الأدوية ويهرّب آخرون المخدرات والطعام الفاسد بكل أنواعه ومن حقّ قوى 8 آذار تعطيل الحياة السياسية والاقتصادية والسياحية في لبنان لعام ونصف العام.. يكون بذلك من حقّ قوى 14 آذار أن تقاطع، من دون أن تعطّل، كل ما يمتّ إلى هذه الحكومة بصلة وأن تناضل سلمياً من أجل أن تحافظ على قياداتها وأن تحمي الشعب اللبناني من بطش السلاح وتبجّح المسلّحين بسلاحهم..
يقول عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب جوزيف معلوف: "إن مطالبنا في قوى 14 آذار محقّة وقد ذكرت كلّها في وثيقة 14 آذار، لكننا اعتدنا على ازدواجية معايير الفريق الآخر"، مبدياً أسفه من أن "ما يصحّ لهم لا يصحّ لنا، علماً أننا لم نقم بما قاموا به، ونحن نواجه حكومة انقلابية اليوم انقلبت على حكومة الوحدة الوطنية فعطّلوا البلد بما فيه المجلس النيابي".
ويشرح أن "ممارسات قوى 8 آذار كيدية، بينما مقاطعة عمل اللجان النيابية ومقاطعة الحكومة جمعاء هما تأكيد أن من واجب هذه الحكومة أن ترعى الواقع القائم وأن تتعاطى مع مطالبنا في الوثيقة الأخيرة". ويضيف: "إذا كانت الحكومة تؤمن بأن لديها شركاء في هذا البلد فمن المفترض أن تمارس سياسة مدّ اليد في مبادرة إيجابية منها في إطار الوثيقة". ويتابع: "بما أنه لم يتم التعاطي حتى الآن بطريقة جدية مع مطالبنا فهذا يدلّ على استبداد فئة تمارس الكيدية السياسية ومن المؤسف جداً ألا تلقى الوثيقة ردود فعل إيجابية".
ويؤكّد معلوف أن "قوى 8 آذار تفاقم كيديتها السياسية في وقت مطلوب أن تعترف بأن هناك فئة سياسية مستهدفة وسلاحاً خارج الدولة، فيما كل ما نسمعه مناظرات سياسية بدل التعاطي الجدي مع الملفات الوطنية".
من جهته، يعتبر نائب الرئيس سعد الحريري النائب السابق أنطوان أندراوس أن "فريق 8 آذار يستعمل سلاحه للهيمنة على لبنان، وفي الوقت عينه كل الأجهزة الأمنية مخروقة من هذا الفريق الذي يحظى بدعم من الأجهزة الأمنية ومن القضاء، عدا عن أنه لا يعلم أحد أين تُصرف الأموال التي تأتي من إيران".
ويضيف: "لا شكّ في أن هذا الفريق يستقوي بسلاحه وبكل مؤسسات الدولة، إن من حيث الخدمات أو من حيث التوظيف، من خلال السلاح والضغط الأمني على بعض القضاة والأجهزة الأمنية". ويشدد على أن "قوى 14 آذار لا تخطو مثل هذه الخطوات، لذا فنحن لا نملك سوى سلاح الموقف والكلمة، وكفاهم قولاً إننا لا نقوم بأي شيء"، سائلاً: "هل يريدوننا أن نقوم بما قاموا به؟" ومجيباً: "حينها يمكن القول العوض بسلامة هذا البلد".
إلى أين سيوصل استعمالكم لهذا السلاح الحضاري؟ يردّ أندراوس: "صندوق الاقتراع سيقول كلمته، وأنا أكيد أننا سنربح، ومن يربح سيحكم، حينها الشعب اللبناني سيقرر إن كان يريد أن تستمرّ هيمنة السلاح على القضاء والأجهزة الأمنية أم يريد لبنان الدولة".
ويلفت إلى "أننا نقوم بما بوسعنا ليكون الجمهور على بيّنة من كل ما يجري ليقول كلمته في الانتخابات، وستكون الانتخابات المقبلة هي الفاصل". وهل سنبلغ حينها السياسة الصحيّة؟ يجيب أندراوس: "لا حلّ لدينا سوى المقاطعة، فاعتماد أساليب قوى 8 آذار نفسها في التعطيل يجرّ الى حرب أهلية"، ويختم: "لن نخرب البلد في حرب أهلية.. وربّما هم يريدون منا ذلك لكننا لن ننجرّ الى الحرب والفتنة".