فتى الكتائب غادر قبل ستة أعوام، كبر كثيراً وتخطى الكثير من الحواجز والممنوعات وفتح الطرق أمام حزبه ليعود رمزاً سيادياً. بيار أمين الجميل يحضر اليوم ويجلس بين ابنيه يخبرهما عن السماء، ويضحك لألعابهما التي لا تتوقف، قبالته يجلس والده أمين مطمئناً ومتناسياً في هذه اللحظة أن ما يراه قد يكون حلماً أو نسمة هادئة تمر مرة كل عدة أعوام.
هو حلم بالنسبة للكتائبيين وهو بالنسبة للشعب اللبناني قفزة نوعية بتغيير مفهوم العلاقة بين المواطنين وصناعتهم الوطنية، ولكنه كما غيره من الاستقلاليين قتل، غداة عيد الاستقلال ليتحول من أحد قادة انتفاضة الاستقلال في العام 2005 إلى رفيق لشهدائها.
يوم استشهاده بدت الأجواء السياسية سيئة جداً، فأحزاب "الوصاية" السورية كانوا يتحضّرون لاحتلال شوارع بيروت مهددين بإسقاط الحكومة عبر الاستقالة منها وتخفيض عدد وزرائها لتسقط بالضربة القاضية كما حاولوا أن يفعلوا، صدرت توصية لكل وزراء "14 آذار" بالانضمام إلى الرئيس فؤاد السنيورة في السرايا الحكومية، وصل الجميع إلا بيار الجميل الذي اصطاده القاتل برصاصاته الحاقدة في منطقة الجديدة.
بعد الاغتيال أخّر المهاجمون حملتهم لتحرير بيروت من أهلها وعيشها واقتصادها لأيام، ولكن ذلك اليوم الموعود حصل في وقت لم يجف فيه دم بيار الجميل بعد. كانوا يستثمرون اللحظات لإنهاء الحكومة عبر الاغتيال وعبر استقالة وزرائهم من الحكومة، كأن القرارات المتخذة باستكمال المأساة متكاملة في شكلها ومضمونها. إسقاط الوطن في محاولات إعادة القوة لبشار الأسد ولو عبر لبنان. يعلنون بوضوح خطتهم لإنهاء السبيل الوحيد لمحاسبة مجرمين يقضون على أمل العيش في الوطن، يحاولون بأكبر قدر من الإمكان منع الحكومة من المساهمة في بناء المحكمة الخاصة للبنان كما فعلوا وقت اغتيال الشهيد جبران تويني قبل أقل من عام.
القرارات المصيرية لانقاذ الوطن من القاتل تصير نيراناً سوداً ترتفع من إطارات السيارات المشتعلة في عدد من المناطق. نهار طويل من الدخان الأسود والإجرام بحق التنفس والبيئة والسياسة والاقتصاد يفشل الهجوم على حياة الناس فيرتدّ المعتصمون على المحال التجارية في وسط بيروت ويحاولون إحراقها كأن قائدهم نيرون وهم الجنود "النيرونيون". المواطنون قاموا بفتح الطرق بقوة سواعدهم في عدد من المناطق. يتحول نهار المدينة إلى سواد يغطي على سواد الحزن بعد جرائم القتل وبعد عامين على استشهاد الرئيس رفيق الحريري. محاولات إثبات القوة تتنقل من إغلاق الطرق إلى إشعال الإطارات خلال أشهر قليلة وحمل السلاح ومهاجمة منطقة جامعة بيروت العربية والطريق الجديدة. حيث أريق الدم مجدداً. في سلسلة طويلة من إجرام مترابط بين دمشق وبيروت بتغطية محلية تحميه من المحاسبة. ضاع على الطريق دم "الزيادين" كما ضاع دم آلاف اللبنانيين. في تنفيذ واضح للتهديد الذي أطلقه بشار الأسد يوم 14 آب 2006 وهدد فيه كل اللبنانيين.
هناك كانت بداية حقيقية للانقلاب، وصل السابع من أيار وما تلاه من اتفاق الدوحة والانقلاب عليه، كأنما تكرار الجريمة لا يتوقف في مكان واحد، سقط شهداء كثر وآخر من سقط منهم هو اللواء وسام الحسن، فيما يقع آخرون تحت قبضة السكين ويصير الاغتيال فرصة للتغيير كما كل المحاولات السابقة.
نجح القاتل بالاغتيال، ونجح اللبنانيون في الصمود والحصول على المحكمة الخاصة بلبنان. صار الوقت هو عنوان المرحلة الجديدة، وصار أمين ابن الشهيد بيار الجميل في عمر يسمح له أن يقف في الكنيسة يتحدث مع والده مذكراً الناس بطفلين انتظرا السماء أن تفتح أبوابها وتخرج لهم والدهما ليحدّثهما قليلاً قبل أن يرحل نهائياً. قال الابن في ذلك اليوم إنه ظن أن المجرم الحاقد والجبان قد اكتفى وشبع، وأن بيار سيكون آخر الأبطال الذين قدموا حياتهم على مذبح الوطن، توجه إلى الخالق بسؤاله كطفل: "الى متى يا رب ستبقى الأمهات في لبنان تلبسن الثياب السود؟ والى متى ستبقى عيون الأطفال تذرف الدموع وسيبقى بلدنا مجروحاً؟".
هذا فتى كتائبي جديد يحمل صورة والده وصوته، ينظر مع دموعه إلى الأمام حالماً بظروف أفضل يعيشها اللبنانيون، حلم بيار أمين الجميل بقي حياً في الناس، ولكنه مع حزبه وابنه يتجدد.
هناك على الطريق قبل ستة أعوام وقع حادث اصطدام مدبر من إحدى السيارات بسيارة الوزير الشاب بيار الجميل، كان المشهد الأخير في حياته. ذهب كما غيره من الشهداء في واحد من أغلى استقلال دولة في العالم ذهبت الروح فجأة والرصاصات التي اخترقت الزجاج والجسد، كانت أسرع من أن يدرك ساكنو الحي الهادئ أن النهايات الحزينة تقضي على أجمل ابتسامة يحملها رجل في أول العمر.
ذهب العمر بسرعة نسمة هواء أو حياة عشبة برية طرية وندية ولدت في الربيع ومرت عاصفة بعد أيام اقتلعتها من الجذور وأرسلت قطرات الماء التي تحملها في الهواء. اللحظات الأخيرة من الاصطدام ونزول المجرمين من سياراتهم ووصولهم إلى باب السيارة كأنهم يقومون بتمثيل فيلم سينمائي. يطلقون النار فتتحرك الرصاصات في الزجاج الداكن قبل أن تصل الرأس والجسد. لم يدرك بيار الجميل في هذا الوقت أن الرصاص هو لقتله واغتيال وطن. ولكن بيار عاش في روح أهله ورفاقه، والعدالة قادمة بالتأكيد والقاتل مهما اختبأ سيمثل في النهاية أمام قاضٍ عادل يحاكمه ويؤسس لمنع الاغتيال السياسي في لبنان والمشرق.
