سنة 1978 وُلِدَت "القوات اللبنانية" وكانت مؤلّفة من الأجنحة العسكرية التابعة للأحزاب المسيحية الموجودة ضُمنَ الجبهة اللبنانية وهي: "الكتائب"، "الأحرار"، "حراس الأرز" و"التنظيم" وغيرهم، بهَدَف توحيد القوى العسكرية في المنطقة الشرقية تَحتَ قيادةٍ واحدة، تكون الذراع العسكرية للجبهة اللبنانية.
منذ البداية وحتى اليوم، وبالرغم من كل الصعاب التي مرّت بها والأثمان التي دفعتها، سارت "القوات" في خطى ثابتة واستراتيجية نحو لبنان سيداً حراً مستقلاً. وبعد سنة 2005، إنضَمّ أكثر من نصف اللبنانيين ليشاركوا "القوات" نظرتها السيادية الى لبنان وذلك بعد أكثر من ربع قرن على تأسيسها.
عَلَمُ "القوات" شبيه بالعلم اللبناني بألوانه الأحمر والأبيض والأخضر، ومؤلف من الأرزة اللبنانية محاطة بدائرة حمراء ترمز الى دماء الشهداء والجرحى الذين حموها بأرواحهم وأوجاعهم.
مع وصول الحكيم الى القيادة، بدأ العمل جدّياً على انشاء عدد كبير من المؤسسات الاجتماعية والثقافية والإعلامية والعسكرية وغيرها، فملأت الفراغ الناجم عن غياب الدولة وعجزها. من صندوق "التضامن الاجتماعي" الى "التعاضد الصحي" الى "النقل المشترك" الى المؤسسات الاعلامية … وصولاً الى معهد بشير الجميل في غوسطا الذي كان يعد الضباط ومعهد الرتباء ومدرسة الاختصاصات… تحوّلَت "القوات اللبنانية" الى مؤسسة نحو المستقبل بكل ما للكلمة من معنى.
حالياً، تُعَدّ "القوات" من أهم الأحزاب اللبنانية ثباتاً وعقيدةً، وبعد إقرار نظامها الداخلي يتوقّع ان تكون مع تطبيقه نموذجاً في العمل الديمقراطي على مستوى الشرق الاوسط. بعد خروج الحكيم من المعتقل، بدأ العمل على إنشاء العديد من المؤسسات وتسوية أوضاع العديد من العقارات والأبنية التي صادرتها الدولة بعد حلّ الحزب.
أما بما يتعلّق بـ"التيار"، فمن الصعب جداً التكلم عنه بِمعزل عن ميشال عون لأنه يختصر كل التيار بكل مؤسساته ومسؤوليه والمنتسبين اليه، فهو الآمر الناهي في كُلّ شيء، وهذا واضح من طريقة تعاطيه العلني مع الصحافيين الذين لا يَملِكُ أيّ سُلطة عليهم، فكيف بالحَري مع مَن هم تحت نِير سُلطَتِه وسطوته.
قبل سنة 1989، لم يكن هناك وجود للحالة العونية أو للتيار الوطني الحر. بعد إعلان حرب التحرير، فَرَضَ عون على الموظفين والمدارس والجامعات المداومة في ساحة قصر بعبدا الذي أطلق عليه اسم قصر الشعب، بالأضافة الى كل الذين تضرروا أو انزعجوا يوماً من "القوات اللبنانية" منذ نشأتها، فكانت فرصتهم لبخ سمومهم وأحقادهم على "القوات". وهكذا وُلِدت الحالة العونية نسبةً لعون والتي أصبحت تعرَف لاحقاً بـ"التيار الوطني الحُرّ".
منذ البداية كانت شعارات العونيين من تحرير وغيرها، نَسخةً طبقَ الأصل عن شعارات "القوات" التي قاومت سنوات طويلة من أجلها وإنما بإستراتيجية واضحة أمّنَت التوازن الدولي والخطوط الحمراء التي فَشِلَ السوري في إختراقها لسنوات عدّة. وعندما حاول تطبيق هذه الشعارات بطريقته العشوائية والساذجة والصبيانية من دونِ أيّ تخطيطٍ أو تنسيقٍ لا مع الداخل ولا مع الخارج، من خلالِ إعلانِ حروبٍ فاشلة خاسرة ومدمّرة، كانت نتيجَتُها الدمارَ والخرابَ والمجازِرَ وتهجير عشرات الالف الى خارج لبنان وسقوط المناطق الحرّة بقبضة السوريين وحلفائهم.
بعد توقيع "ورقة التفاهم" مع "حزب الله" في شباط الـ 2006، إنتقل "التيار" كلياً الى المقلب السوري وأصبحَ المدافع الأول عن نظام الاسد وحليفه الحزب "الإيراني – السوري" في لبنان.
شعارُ التيار الحالي هو شبيههٌ لعلامة مسجّلة لاحدى شركات الأحذية الرياضية، وقد اعتُمِد بعد أن تمّ استعمال عدّة علامات أخرى ومنها شعار أوميغا الذي استعملوه لفترة ثم َرفعت الشركة المالكة دعوى قضائية عليهم وأجبَرتهُم على تغييره.
بعد استلامه مؤسسات الدولة والتي كانت كلها تحت سيطرته، وبعد سنتين فقط، لم يبق منها أي شيء. حتى مؤسّسة الجيش، نَسَف فيها مبدأ الإنضباط والتراتبية، فكان يُصدر الأوامر مباشرةً الى الضُباط الميدانيين من دون المرور بالهرمية العسكرية المعتمدة في كل الجيوش النظامية.
حالياً، يُصَنّف "التيار" على أنّه حزب الصوت الواحد، فهو عبارة عن مجموعة أشخاص ومسؤولين لا حول ولا قوّة ولا صوت لهم، يُعبّر عنهم فقط صوت واحد هو صوت الجنرال، ينقلهم من أقصى اليمين الى أقصى اليسار حسب أهوائه. فهو الحاكم بأمره مع أقربائه الموزعين والمتحكمين بكل مفاصل التيار. وقد أدّى ذلك الى دفع العديد من مؤسسي ومسؤلي وأفراد التيار الى الاستقالة رفضاً لهذا النهج الشخصاني المُتّبع في ادارة الامور وآلية أخذ القرارات.
هذه لمحة مُختصرة قدر الإمكان ولكنها مُعبّرة جداً لِمَن يُريد أن يَرى ويَعرف الفرق بين مَن ضحّى من أجلِ غيره ومَن ضحّى بغيرِه مِن أجلهِ، بين مَن يسلك مساراً واضحاً ومستقيماً ومَن يُنَطنط من مَسارٍ الى آخر حسب ما تقضي مصالحه الشخصية، بين مَن بَنى ومَن دَمّر، بين مَن نظّمَ ومَن خَرَّب، بين مَن يتكلم باحترام ومَن يشتم جهاراً كل يوم.
الحلقات السابقة:
حكيم وجنرال! "قوات" و"تيار"!… في العلم والمعرفة واللياقة" (الجزء الأول)
حكيم وجنرال! "قوات" و"تيار"!… في الإلتزام والشجاعة والإقدام (الجزء الثاني)
حكيم وجنرال! "قوات" و"تيار"!… في الشرف والتضحية والوفاء (الجزء الثالث)