#dfp #adsense

الاستقلال الثالث… الوان طبيعية سيكام!

حجم الخط

صغاراً، كان يوم عيد الاستقلال هو الاحلى خصوصا اذا صدف يوم الاثنين. خي لا مدرسة. خي أخرى، هو يوم تلفزيوني طويل بالالوان الطبيعية سيكام! هكذا كانت تقول شارلوت وازن الخوري أو نهى الخطيب أو سعاد قاروط العشي، مذيعات تلك الايام. حتى الآن لم أفهم ما معنى "سيكام"، لكن كنا نبتهج اننا سنرى المسلسلات الوطنية والحفلات كلها بالالوان. فساتين صباح الرائعة، فرقة الدبكة اظن انها كانت "الانوار"، وجه فيروز، طربوش نصري شمس الدين، لبّادة وديع الصافي… أمر رائع.

من التاسعة صباحا نتسمّر أمام التلفزيون، وتنهمر القصائد والملاحم الوطنية في كل الاتجاهات، خصوصاً ان التلفزيون كان يفتتح باغنية فيروز "هلي ع الريح"، تتوسط فيروز الراقصين، تضع زهرة في شعرها، وببساطة ثيابها تنشد اغنية عنفوان. كانت تسحرنا. وما زالت. لم يكن هناك عرض عسكري يُبث مباشرة من ساحة الشهداء، كانت أيام حرب، والتلفزيون يكتفي باعادة عروض عسكرية من أيام زمان، الشيخ بشارة الخوري وتلك الايام، وطبعا بطلة العرض المطلقة تلك العنزة. مرت سنين طويلة قبل أن نفهم لماذا العنزة تسبق الدبابة مثلا، فتبين لاحقا انها رمز العناد.

كان يوم عيد الاستقلال متعة حقيقية، ننسى اللعب في طرقات البرد في الضيعة الغارقة بتشرين، تشرين الثاني كان يقارع كانون بالصقيع، حتى الطقس صار أسيرا. تصنع امي لنا الذرة المسلوقة مع حبيبات اليانسون، وقبل أن تغيب الشمس، نكون حررنا الطنجرة من آخر حبيبات الذرة العالقة الى جنباتها. لم نكن نفهم ما معنى الاستقلال، كل ما كنا نعلمه ان المدرسة تقفل، وان الاساتذة يلقنوننا النشيد الوطني ومعنى الالوان التي تزيّن العلم اللبناني، كنا نحب لبنان وفقط "ليش بتحبي لبنان؟ لانو وطني. بتحبي الاستقلال؟ بحبو قد السما" هكذا نجيب هكذا تعلّمنا…. ودارت الايام وعلّم الوطن جروحه العميقة في أرواحنا، وصرنا نفهم ليش منحب لبنان وليش بيزعّلنا الاستقلال.

بالالوان الطبيعية سيكام ينهمر الاستقلال، ذكرى الاستقلال أمام عيوننا مباشرة على الهواء، على مرمى اليد، في قلب النظر، ولا قلب يرتجف الا خوفا. المشهد جميل. دائما جميل ان نرى الجيش اللبناني فوق الدبابات يستعرض بعضاً مما عنده، وما عنده الكثير الكافي. جميل الخيل والخيالة يعبرون بكبرياء، ووحده الكبرياء لا يكفي سلاحاً للحماية. تتوالى اناشيد الوطن، نغمات رائعة، عنفوان يدغدغ القلوب، والى المنصة يقف الطاقم. أحذية ملمّعة تقارع الشمس، شعر مرصوص مصفوف، نظارات سود تحجب ما تخفيه العيون والنوايا.

من زمان كانت بذاتهم بيضاء، اليوم يلبسون بما يليق بهذه الايام، بذات سود. هو حداد على الذكريات وعلى الوطن المنكوب بالكثير من المصائب والفجائع. عيد استقلال الوطن المنكوب. هو عطلة رسمية أيضا. لكن لا شيء مميز، التلفزيون صار من اهل البيت مفتوح الابواب والشاشات على مدار الثواني، لا شيء Exclusive. فقط هو ذاك الشجن أو اكثر بعد، هو ذاك الاسف المتوّج بسؤال يسأله كثر: بأي استقلال نحتفل؟

انا مع الاحتفال واشجعه وأحضره وأراقب التفاصيل كافة. لا أستمتع كما كان يحصل على أيام الابيض والاسود. خسرت متعة اللحظة الغابرة. خسرنا الكثير وغابت السعادة البريئة في صفحات الامس، لكن أحب أن أتذكر ان ثمة رجالات سجنوا اعتقلوا استشهدوا تعذبوا، ليوقّعوا على علم من دون أن يقعوا في التجرية، تجربة العمالة، ويشهدوا على جلاء جيوش غريبة، أيّ كانت تلك الجيوش، ويقفوا الى رصيف الايام ويتمتعوا برؤية آخر فلولهم وهم يغيبون. فعلناها مرة في جيلنا. استمتعنا باللحظة النادرة بعدما اعتُقلنا تعذبنا استُشهدنا وتحررنا. شهدنا على استقلال استثنائي متوّج بالدم، الكثير من الدماء. والان ونحن نراقب الاستقلال واحتفاليته التقليدية، وعندما أنظر الى بعض من يشارك، نتحفّز على الاستقلال الثالث يبدو انه الاخطر، لان العدو هو الاخطر، الاشد فتكاً لانه يقضم كل ما سبقه من اسقلالات، ولن يستكين قبل أن يغيّر المعالم كافة.

في ذكرى الاستقلال لا نحمل بندقيتنا، لا نريد، لا بنادق لدينا، نريد أن يحمل الجيش وحده البندقية عنا، كما فعلها في مراحل كثيرة، ونقف نحن خلفه نحتمي به ونحميه أيضاً. في ذكرى الاستقلال، انظروا بإمعان شديد الى بعض من يقف عند المنصّة كي تتذكروا اننا نعيش أقسى الاحتلالات المقنّعة غير المعلنة، وتأكدوا ان عرضا عسكريا غير تقليدي، يحضّر للاحتفال باستقلال لا تشوبه وجوه كالحة ولا محتلين جدد أو قدامى. بعض الوقت فقط …
 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل